فصل: (خَاتِمَةٌ)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: القواعد الفقهية ***


‏[‏الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ‏:‏‏]‏ الْمُوصَى لَهُ هَلْ يَمْلِكُ الْوَصِيَّةَ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ أَمْ مِنْ حِينِ قَبُولِهِ لَهَا‏؟‏

فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ مَعْرُوفَانِ‏.‏

وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُهَا مِنْ حِينِ قَبُولِهِ فَهَلْ هِيَ قَبْلَهُ عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ أَوْ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ‏؟‏ عَلَى وَجْهَيْنِ أَيْضًا‏.‏

وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلْمُوصَى لَهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَالْخِرَقِيِّ وَمَنْصُوصُ أَحْمَدَ بَلْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لَهُ الْقَبُولُ فَيَمْلِكُهُ قَهْرًا كَالْمِيرَاثِ وَهُوَ وَجْهٌ لِلْأَصْحَابِ حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ‏.‏

وَلِهَذَا الِاخْتِلَافِ فَوَائِدُ عَدِيدَةٌ‏:‏

‏(‏فَمِنْهَا‏)‏ حُكْمُ نَمَائِهِ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْقَبُولِ فَإِنْ قُلْنَا هُوَ عَلَى مِلْكِ الْمُوصَى لَهُ فَهُوَ لَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ هُوَ عَلَى مِلْكِ الْمُوصِي فَتَتَوَفَّرُ بِهِ التَّرِكَةُ فَيَزْدَادُ بِهِ الثُّلُثُ وَإِنْ قُلْنَا هُوَ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ فَنَمَاؤُهُ لَهُمْ خَاصَّةً‏.‏

وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ أَنَّ مِلْكَ الْمُوصَى لَهُ لَا يَتَقَدَّمُ الْقَبُولُ وَأَنَّ النَّمَاءَ قَبْلَهُ لِلْوَرَثَةِ مَعَ أَنَّ الْعَيْنَ بَاقِيَةٌ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ فَلَا يَتَوَفَّرُ الثُّلُثُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ حِينَ الْوَفَاةِ وَذَكَرَ أَيْضًا إذَا قُلْنَا إنَّهُ مُرَاعًى وَإِنَّا نُبَيِّنُ بِقَبُولِ الْمُوصَى لَهُ مِلْكَهُ لَهُ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ فَإِنْ النَّمَاءَ يَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ مُعْتَبَرًا مِنْ الثُّلُثِ فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ مَعَ الْأَصْلِ فَهُمَا لَهُ وَإِلَّا كَانَ لَهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ مِنْ الْأَصْلِ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ مِنْ الثُّلُثِ كَانَ لَهُ مِنْ النَّمَاءِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ نَقَصَ الْمُوصَى بِهِ فِي سِعْرٍ أَوْ صِفَةٍ فَفِي الْمُحَرَّرِ إنْ قُلْنَا يَمْلِكُهُ بِالْمَوْتِ اُعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ مِنْ التَّرِكَةِ بِسِعْرِهِ يَوْمَ الْمَوْتِ عَلَى أَدْنَى صِفَاتِهِ مِنْ يَوْمِ الْمَوْتِ إلَى الْقَبُولِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ حَصَلَتْ فِي مِلْكِهِ فَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ، وَالنَّقْصُ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ بَلْ هُوَ مِنْ ضَمَانِ التَّرِكَةِ وَلِهَذَا لَوْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ أَوْ بَعْضُهَا لَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِي التَّالِفِ وَأَمَّا نَقْصُ الْأَسْعَارِ فَلَا تُضْمَنُ عِنْدَنَا‏.‏

وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ يَمْلِكُهُ مِنْ حِينِ الْقَبُولِ وَاعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَبُولِ سِعْرًا وَصِفَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْوَصِيَّةِ وَلَمْ يَحْكِ صَاحِبُ الْمُغْنِي فِيهِ خِلَافًا فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِيَوْمِ الْمَوْتِ عَلَى الْوُجُوهِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ حَقَّهُ تَعَلَّقَ بِالْمُوصَى لَهُ تَعْلِيقًا قَطَعَ تَصَرُّفَ الْوَرَثَةِ فِيهِ فَيَكُونُ ضَمَانُهُ عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ الْجَانِي إذَا أَخَّرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ مِنْهُ حَتَّى تَلِفَ أَوْ نَقَصَ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ أَمَةً فَوَطِئَهَا الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الْقَبُولِ وَبَعْدَ الْمَوْتِ فَإِنْ قُلْنَا الْمِلْكُ لَهُ فَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ وَطِئَهَا الْوَارِثُ فَإِنْ قُلْنَا الْمِلْكُ لَهُ فَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ وَيَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا لِلْمُوصَى لَهُ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَمْلِكُهَا لَمْ تَكُنْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ وَصَّى بِأَمَةٍ لِزَوْجِهَا فَلَمْ يَعْلَمْ حَتَّى أَوْلَدَهَا أَوْلَادًا ثُمَّ قَبِلَ الْوَصِيَّةَ فَإِنْ قِيلَ يَمْلِكُهَا بِالْمَوْتِ فَوَلَدُهُ حُرٌّ وَالْأَمَةُ أُمُّ وَلَدِهِ وَيَبْطُلُ نِكَاحُهُ بِالْمَوْتِ وَإِنْ قِيلَ لَا يَمْلِكُهَا إلَّا بَعْدَ الْقَبُولِ فَنِكَاحُهُ بَاقٍ قَبْلَ الْقَبُولِ وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ لِلْوَارِثِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِابْنِهِ فَمَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الْقَبُولِ وَقُلْنَا يَقُومُ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِيهِ فَقَبِلَ ابْنُهُ صَحَّ وَعَتَقَ وَهَلْ يَرِثُ مِنْ أَبِيهِ الْمَيِّتِ أَمْ لَا إنْ قُلْنَا يَمْلِكُهُ بِالْمَوْتِ فَقَدْ عَتَقَ بِهِ فَيَكُونُ حُرًّا عِنْدَ مَوْتِ أَبِيهِ فَيَرِثُ مِنْهُ وَإِنْ قُلْنَا إنَّمَا يَمْلِكُهُ بَعْدَ الْقَبُولِ فَهُوَ عِنْدَ مَوْتِ أَبِيهِ رَقِيقٌ فَلَا يَرِثُ، وَلَوْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِمَالٍ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَإِنْ قُلْنَا‏:‏ يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِالْمَوْتِ فَهُوَ مِلْكٌ لِلْمَيِّتِ فَيُوَفِّي مِنْهُ دُيُونَهُ وَوَصَايَاهُ وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ هُوَ مِلْكٌ لِلْوَارِثِ الَّذِي قَبْلُ‏.‏

ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ يَكُونُ مِلْكًا لِلْمُوصَى لَهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ حَصَلَ لَهُ فَكَيْفَ يَصِحُّ الْمِلْكُ ابْتِدَاءً لِغَيْرِهِ‏؟‏،، وَلِهَذَا نَقُولُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ‏:‏ إنْ الْمُكَاتَبَ إذَا مَاتَ وَخَلَّفَ وَفَاءً أَنَّهُ يُؤَدِّي مِنْهُ بَقِيَّةَ مَالِ الْكِتَابَةِ‏.‏

وَيَتَبَيَّنُ بِذَلِكَ مَوْتُهُ حُرًّا مَعَ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ لَا تَثْبُتُ لِلْمُكَاتَبِ إلَّا بَعْدَ الْأَدَاءِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِأَرْضٍ فَبَنَى الْوَارِثُ فِيهَا وَغَرَسَ قَبْلَ الْقَبُولِ ثُمَّ قَبِلَ فَفِي الْإِرْشَادِ إنْ كَانَ الْوَارِثُ عَالِمًا بِالْوَصِيَّةِ قَلَعَ بِنَاءَهُ وَغَرْسَهُ مَجَّانًا وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ عَلَى الْقَوْلِ بِالْمِلْكِ بِالْمَوْتِ أَمَّا إنْ قِيلَ هِيَ قَبُولٌ قَبْلَ الْقَبُولِ عَلَى مِلْكِ الْوَارِثِ فَهُوَ كَبِنَاءِ الْمُشْتَرِي الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ وَغَرْسِهِ، فَيَكُونُ مُحْتَرَمًا يُتَمَلَّكُ بِقِيمَتِهِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ بِيعَ شِقْصٌ فِي شَرِكَةِ الْوَرَثَةِ وَالْمُوصَى لَهُ قَبْلَ قَبُولِهِ فَإِنْ قُلْنَا الْمِلْكُ لَهُ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ فَهُوَ شَرِيكٌ لِلْوَرَثَةِ فِي الشُّفْعَةِ وَإِلَّا فَلَا حَقَّ فِيهَا‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ جَرَيَانُهُ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ فَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُهَا الْمُوصَى لَهُ جَرَى فِي حَوْلِهِ وَإِنْ قُلْنَا لِلْوَرَثَةِ فَهَلْ يَجْرِي فِي حَوْلِهِمْ حَتَّى لَوْ تَأَخَّرَ الْقَبُولُ سَنَةً كَانَتْ زَكَاتُهُ عَلَيْهِمْ أَمْ لَا لِضَعْفِ مِلْكِهِمْ فِيهِ وَتَزَلْزُلِهِ وَتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُوصَى لَهُ بِهِ فَهُوَ كَمَالِ الْمُكَاتَبِ‏؟‏ فِيهِ تَرَدُّدٌ‏.‏

‏[‏الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ‏:‏‏]‏ الدَّيْنُ هَلْ يَمْنَعُ انْتِقَالَ التَّرِكَةِ إلَى الْوَرَثَةِ أَمْ لَا‏؟‏

فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا الِانْتِقَالُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ‏:‏ هِيَ الْمَذْهَبُ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ أَنَّ الْمُفْلِسَ إذَا مَاتَ سَقَطَ حَقُّ الْبَائِعِ مِنْ عَيْنِ مَالِهِ لِأَنَّ الْمَالَ انْتَقَلَ إلَى وَرَثَتِهِ‏.‏

وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ‏:‏ لَا يَنْتَقِلُ، نَقَلَهَا ابْنُ مَنْصُورٍ فِي رَجُلٍ مَاتَ وَتَرَكَ دَارًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَجَاءَ الْغُرَمَاءُ يَبْتَغُونَ الْمَالَ وَقَالَ أَحَدُ بَنِيهِ‏:‏ أَنَا أُعْطِي رُبْعَ الدَّيْنِ وَدَعُوا لِي رُبْعَ الدَّارِ قَالَ أَحْمَدُ‏:‏ هَذِهِ الدَّارُ لِلْغُرَمَاءِ لَا يَرِثُونَهَا، يَعْنِي الْأَوْلَادَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ دُيُونِ اللَّهِ تَعَالَى وَدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ وَلَا بَيْنَ الدُّيُونِ الثَّابِتَةِ فِي الْحَيَاةِ وَالْمُتَجَدِّدَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ لِسَبَبٍ مِنْهُ يَقْتَضِي الضَّمَانَ كَحَفْرِ بِئْرٍ وَنَحْوِهِ، صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي‏.‏

وَهَلْ يُعْتَبَرُ كَوْنُ الدَّيْنِ مُحِيطًا بِالتَّرِكَةِ أَمْ لَا‏؟‏ ظَاهِرُ كَلَامِ طَائِفَةٍ اعْتِبَارُهُ حَيْثُ فَرَضُوا الْمَسْأَلَةَ فِي الدَّيْنِ الْمُسْتَغْرِقِ، وَكَلَامُ أَبِي الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ كَالصَّرِيحِ فِي قِيمَتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَرَّحَ بِالْمَنْعِ مِنْ الِانْتِقَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا ذَكَرَهُ فِي مَسَائِلِ الشُّفْعَةِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِالِانْتِقَالِ فَيَتَعَلَّقُ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِهَا جَمِيعًا وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقْهَا الدَّيْنُ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ وَهَلْ تَعَلُّقُ حَقِّهِمْ بِهَا تَعَلُّقُ رَهْنٍ أَوْ جِنَايَةٍ‏؟‏ فِيهِ خِلَافٌ يَتَحَرَّرُ بِتَحْرِيرِ مَسَائِلَ‏:‏

‏(‏إحْدَاهَا‏)‏ هَلْ يَتَعَلَّقُ جَمِيعُ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ وَبِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا أَوْ يَتَقَسَّطُ‏؟‏ صَرَّحَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ بِالْأَوَّلِ إنْ كَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّدًا انْقَسَمَ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ وَتَعَلَّقَ بِحِصَّةِ كُلِّ وَارِثٍ مِنْهُمْ قِسْطُهَا مِنْ الدَّيْنِ وَبِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ إذَا رَهَنَهُ الشَّرِيكَانِ بِدَيْنٍ عَلَيْهِمَا‏.‏

‏(‏وَالثَّانِيَةُ‏)‏‏:‏ هَلْ يَمْنَعُ هَذَا التَّعَلُّقُ مِنْ نُفُوذِ التَّصَرُّفِ‏؟‏ وَسَنَذْكُرُهُ وَالثَّالِثَة هَلْ يَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ بِعَيْنِ التَّرِكَةِ مَعَ الذِّمَّةِ‏؟‏ فِيهِ لِلْأَصْحَابِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ‏:‏ أَحَدُهَا يَنْتَقِلُ إلَى ذِمَمِ الْوَرَثَةِ قَالَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا وَابْنُ عَقِيلٍ وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَهُ بِالْمُؤَجَّلِ وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّهُ بِالْقَوْلِ بِانْتِقَالِ التَّرِكَةِ إلَيْهِمْ‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ هُوَ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ‏.‏

ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَيْضًا وَالْآمِدِيُّ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي ضَمَانِ دَيْنِ الْمَيِّتِ‏.‏

وَالثَّالِثُ‏:‏ يَتَعَلَّقُ بِأَعْيَانِ التَّرِكَةِ فَقَطْ قَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَرُدَّ بِلُزُومِ بَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمَيِّتِ فِيهَا بِالتَّلَفِ وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَلِهَذَا الِاخْتِلَافِ فَوَائِدُ‏:‏

‏(‏مِنْهَا‏)‏ نُفُوذُ تَصَرُّفِ الْوَرَثَةِ فِيهَا بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ فَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ الِانْتِقَالِ إلَيْهِمْ فَلَا إشْكَالَ فِي عَدَمِ النُّفُوذِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالِانْتِقَالِ فَوَجْهَانِ‏:‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ لَا يَنْفُذُ، قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي بَابِ الشَّرِكَةِ مِنْ كِتَابَيْهِمَا وَحَمَلَ الْقَاضِي فِي غَيْرِ الْمُجَرَّدِ رِوَايَةَ ابْنِ مَنْصُورٍ عَلَى هَذَا‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ يَنْفُذُ، قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ أَيْضًا فِي الرَّهْنِ وَالْقِسْمَةِ وَجَعَلَاهُ الْمَذْهَبَ وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُمْ التَّصَرُّفُ بِشَرْطِ الضَّمَانِ قَالَهُ الْقَاضِي قَالَ وَمَتَى خَلَّى الْوَرَثَةُ بَيْنَ التَّرِكَةِ وَبَيْنَ الْغُرَمَاءِ سَقَطَتْ مُطَالَبَتُهُمْ بِالدُّيُونِ وَنَصَبَ الْحَاكِمُ مَنْ يُوَفِّيهِمْ مِنْهَا وَلَمْ يَمْلِكْهَا الْغُرَمَاءُ بِذَلِكَ‏.‏

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ إذَا تَصَرَّفُوا فِيمَا طُولِبُوا بِالدُّيُونِ كُلِّهَا كَمَا تَقُولُ فِي سَيِّدِ الْجَانِي إذَا فَدَاهُ‏:‏ إنَّهُ يَفْدِيهِ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ بَالِغًا مَا بَلَغَ عَلَى رِوَايَةٍ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ البرزاطي هَاهُنَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَسَنَذْكُرُهُ وَفِي الْكَافِي إنَّمَا يَضْمَنُونَ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ التَّرِكَةِ أَوْ الدَّيْنِ وَعَلَى الْأَوَّلِ يَنْفُذُ الْعِتْقُ خَاصَّةً كَعِتْقِ الرَّاهِنِ‏.‏

ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ وَحَكَى الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ فِي بَابِ الْعِتْقِ فِي نُفُوذِ الْعِتْقِ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالدَّيْنِ وَجْهَيْنِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْفُذُ مَعَ الْعِلْمِ وَجَعَلَ صَاحِبُ الْكَافِي مَأْخَذَهُمَا أَنَّ حُقُوقَ الْغُرَمَاءِ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالتَّرِكَةِ هَلْ يَمْلِكُ الْوَرَثَةُ إسْقَاطَهَا بِالْتِزَامِهِمْ الْأَدَاءَ مِنْ عِنْدَهُمْ أَمْ لَا‏؟‏ وَرِوَايَةُ ابْنِ مَنْصُورٍ السَّابِقَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ ذَلِكَ وَفِي النَّظَرِيَّاتِ لِابْنِ عَقِيلٍ أَنَّ عِتْقَ الْوَرَثَةِ إنَّمَا يَنْفُذُ مَعَ يَسَارِهِمْ دُونَ إعْسَارِهِمْ اعْتِبَارًا بِعِتْقِ مَوْرُوثِهِمْ فِي مَرَضِهِ؛ لِأَنَّ مَوْرُوثَهُمْ كَانَ مِلْكُهُ ثَابِتًا فِيهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ وَلَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ مَعَ الْإِعْسَارِ فَلَأَنْ لَا يَنْفُذَ عِتْقُهُمْ مَعَ إعْسَارِهِمْ وَالِاخْتِلَافِ فِي مِلْكِهِمْ أَوْلَى‏.‏

وَهَلْ يَصِحُّ رَهْنُ التَّرِكَةِ عِنْدَ الْغُرَمَاءِ‏؟‏ قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ لَا‏:‏ يَصِحُّ، وَعَلَّلَ بِأَنَّهَا كَالْمَرْهُونَةِ عِنْدَهُمْ بِحَقِّهِمْ، وَالْمَرْهُونُ لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ وَبِأَنَّ التَّرِكَةَ مِلْكٌ لِلْوَرَثَةِ فَلَا يَصِحُّ رَهْنُ مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَعَلَى التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ رَهْنُ الْوَرَثَةِ لَهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ قِيلَ‏:‏ هِيَ مِلْكُهُمْ، وَعَلَى الثَّانِي‏:‏ يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ رَهْنُ الْمُوصَى لَهَا إذَا قُلْنَا لَيْسَتْ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ نَمَاءُ التَّرِكَةِ‏.‏

فَإِنْ قُلْنَا لَا يَنْتَقِلُ إلَى الْوَرَثَةِ تَعَلَّقَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِالنَّمَاءِ كَالْأَصْلِ، وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ يَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ فَهَلْ يَتَعَلَّقُ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِالنَّمَاءِ‏؟‏ عَلَى وَجْهَيْنِ‏.‏

وَقَدْ سَبَقَ بَسْطُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي قَاعِدَةِ النَّمَاءِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ مَاتَ رَجُلٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَهُ مَالٌ زَكَوِيٌّ فَهَلْ يَبْتَدِئ الْوَرَثَةُ حَوْلَ زَكَاتِهِ مِنْ حِينِ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ أَمْ لَا‏؟‏ إنْ قُلْنَا‏:‏ لَا تَنْتَقِلُ التَّرِكَةُ إلَيْهِ مَعَ الدَّيْنِ فَلَا إشْكَالَ فِي أَنَّهُ لَا يَجْرِي فِي حَوْلِهِ حَتَّى يَنْتَقِلَ إلَيْهِ وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ يَنْتَقِلُ انْبَنَى عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ هَلْ هُوَ مَضْمُونٌ فِي ذِمَّةِ الْوَارِثِ أَوْ هُوَ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ خَاصَّةً، فَإِنْ قُلْنَا الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الْوَارِثِ وَكَانَ مِمَّا يَمْنَعُ الزَّكَاةَ انْبَنَى عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ الْمَانِعَ هَلْ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْحَوْلِ مِنْ ابْتِدَائِهِ أَوْ يَمْنَعُ الْوُجُوبَ فِي انْتِهَائِهِ خَاصَّةً‏؟‏ فِيهِ رِوَايَتَانِ مَحْكِيَّتَانِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ‏.‏

وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ فَيَمْتَنِعُ انْعِقَادُ الْحَوْلِ عَلَى مِقْدَارِ الدَّيْنِ مِنْ الْمَالِ وَإِنْ قُلْنَا إنَّمَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي آخِرِ الْحَوْلِ مُنِعَ مِنْ الْوُجُوبِ هَاهُنَا آخِرَ الْحَوْلِ فِي قَدْرِهِ أَيْضًا، وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ لَيْسَ فِي ذِمَّةِ الْوَارِثِ شَيْءٌ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا أَنَّ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِالْمَالِ مَانِعٌ وَسَنَذْكُرُهُ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ كَانَ لَهُ شَجَرٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَمَاتَ فَهَاهُنَا صُورَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ أَنْ يُثْمِرَ ثُمَّ أَثْمَرَتْ قَبْلَ الْوَفَاءِ فَيَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ هَلْ يَتَعَلَّقُ بِالنَّمَاءِ أَمْ لَا‏؟‏ فَإِنْ قُلْنَا يَتَعَلَّقُ بِهِ خَرَجَ عَلَى الْخِلَافِ فِي مَنْعِ الدَّيْنِ الزَّكَاةَ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ، وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَالزَّكَاةُ عَلَى الْوَارِثِ وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءٌ عَلَى الْقَوْلِ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ إلَيْهِ أَمَّا إنْ قُلْنَا لَا يَنْتَقِلُ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَنْفَكَّ التَّعَلُّقُ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ‏.‏

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ‏:‏ أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ مَا أَثْمَرَتْ فَيَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ بِالثَّمَرَةِ ثُمَّ إنْ كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ وَقْتِ الْوُجُوبِ فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ إلَّا أَنْ نَقُولَ‏:‏ إنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ فِي الْمَالِ الظَّاهِرِ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ وَقْتِ الْوُجُوبِ، فَإِنْ قُلْنَا تَنْتَقِلُ التَّرِكَةُ إلَى الْوَرَثَةِ مَعَ الدَّيْنِ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَالٌ لَهُمْ تَعَلَّقَ بِهِ دَيْنٌ وَلَاسِيَّمَا إنْ قُلْنَا‏:‏ إنَّهُ فِي ذِمَّتِهِمْ وَإِنْ قُلْنَا لَا تَنْتَقِلُ التَّرِكَةُ إلَيْهِمْ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّمَاءَ الْمُنْفَصِلَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِغَيْرِ خِلَافٍ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏‏:‏ لَوْ مَاتَ وَلَهُ عَبِيدٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَأَهَلَّ هِلَالُ الْفِطْرِ فَإِنْ قُلْنَا لَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكِ فَلَا فِطْرَةَ لَهُمْ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ يَنْتَقِلُ فَفِطْرَتُهُمْ عَلَى الْوَرَثَةِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ كَانَتْ التَّرِكَةُ حَيَوَانًا فَإِنْ قُلْنَا بِالِانْتِقَالِ إلَى الْوَرَثَةِ فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ وَإِلَّا فَمِنْ التَّرِكَةِ كَمُؤْنَتِهِ وَكَذَلِكَ مُؤْنَةُ الْمَالِ كَأُجْرَةِ الْمَخْزَنِ وَنَحْوِهِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ مَاتَ الْمَدِينُ وَلَهُ شِقْصٌ فَبَاعَ شَرِيكُهُ نَصِيبَهُ قَبْلَ الْوَفَاءِ فَهَلْ لِلْوَرَثَةِ الْأَخذ بِالشُّفْعَةِ‏؟‏ إنْ قُلْنَا بِالِانْتِقَالِ إلَيْهِمْ فَلَهُمْ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا، فَلَوْ كَانَ الْوَارِثُ شَرِيكَ الْمَوْرُوثِ وَبِيعَ نَصِيبُ الْمَوْرُوثِ فِي دَيْنِهِ فَإِنْ قُلْنَا بِالِانْتِقَالِ فَلَا شُفْعَةَ لِلْوَارِثِ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ فِي مِلْكِهِ فَلَا يَمْلِكُ اسْتِرْجَاعَهُ وَإِنْ قِيلَ بَعْدَهُ فَلَهُ الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ بَلْ فِي شَرِكَتِهِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ وَطِئَ الْوَارِثُ الْجَارِيَةَ الْمَوْرُوثَةَ وَالدَّيْنُ يَسْتَغْرِقُ فَأَوْلَدَهَا، فَإِنْ قُلْنَا‏:‏ هِيَ مِلْكُهُ فَلَا حَدَّ وَيَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا يُوَفِّي مِنْهَا الدَّيْنَ كَمَا لَوْ وَطِئَ الرَّاهِنُ‏.‏

وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ لَيْسَتْ مِلْكَهُ فَلَا حَدَّ أَيْضًا لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهَا بِالْفِكَاكِ فَهِيَ كَالرَّهْنِ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا وَمَهْرُهَا يُوَفَّى بِهَا الدَّيْنُ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ فَفَائِدَةُ الْخِلَافِ حِينَئِذٍ وُجُوبُ الْمَهْرِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ تَزَوَّجَ الِابْنُ أَمَةَ أَبِيهِ ثُمَّ قَالَ لَهَا إِنْ مَاتَ أَبِي فَأَنْتِ طَالِقٌ وَقَالَ أَبُوهُ إِنْ مِتُّ فَأَنْتِ حُرَّةٌ ثُمَّ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لَمْ تُعْتَقْ لِاسْتِغْرَاقِ الدَّيْنِ لِلتَّرِكَةِ فَلَا ثُلُثَ لِلْمَيِّتِ لِيَنْفُذَ مِنْهُ الْعِتْقُ وَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ نَعَمْ وَعَلَّلَ بِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى نِكَاحِهِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ لَا تَطْلُقُ؛ لِأَنَّ التَّرِكَةَ تَنْتَقِلُ إلَى الْوَرَثَةِ فَيَسْبِقُ الْفَسْخُ الطَّلَاقَ فَالْوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الِانْتِقَالِ وَعَدَمِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يُدَبِّرْهَا الْأَبُ سَوَاءٌ‏.‏

وَفِي الْمَذْهَبِ وَجْهٌ آخَرُ بِالْوُقُوعِ وَإِنْ قِيلَ بِالِانْتِقَالِ حَتَّى وَلَوْ لَمْ يَكُنْ دَيْنٌ بَنَى عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ الطَّلَاقِ لِلْفَسْخِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْقَوَاعِدِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ أَقَرَّ لِشَخْصٍ فَقَالَ لَهُ فِي مِيرَاثِهِ أَلْفٌ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مُتَنَاقِضٌ فِي إقْرَارِهِ وَفِي التَّلْخِيصِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ إذْ الْمَشْهُورُ عِنْدَنَا أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ‏:‏ لَهُ فِي هَذِهِ التَّرِكَةِ أَلْفُ فَإِنَّهُ إقْرَارٌ صَحِيحٌ وَعَلَى هَذَا فَإِذَا قُلْنَا‏:‏ يَمْنَعُ الدَّيْنُ الْمِيرَاثَ كَانَ مُنَاقِضًا بِغَيْرِ خِلَافٍ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ مَاتَ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ وَأَلْفَ دِرْهَمٍ وَعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ دَيْنٌ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ وَتَرَكَ ابْنًا ثُمَّ أَبْرَأَ الْغَرِيمُ الْوَرَثَةَ فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ ابْنُ الِابْنِ نِصْفَ التَّرِكَةِ بِمِيرَاثِهِ عَنْ أَبِيهِ وَذَكَرَهُ فِي مَوْضِعٍ إجْمَاعًا، وَعَلَّلَهُ فِي مَوْضِعٍ بِأَنَّ التَّرِكَةَ تَنْتَقِلُ مَعَ الدَّيْنِ فَانْتَقَلَ مِيرَاثُ الِابْنِ إلَى أَبِيهِ وَهَذَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِمَنْعِ الِانْتِقَالِ يَخْتَصُّ بِهِ وَلَدُ الصُّلْبِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْبَاقِي مِنْ الْوَرَثَةِ وَابْنُ الِابْنِ لَيْسَ بِوَارِثٍ مَعَهُ وَالتَّرِكَةُ لَمْ تَنْتَقِلْ إلَى أَبِيهِ وَإِنَّمَا انْتَقَلَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ وَيَشْهَدُ لِهَذَا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِي الْوَصِيَّةِ إذَا مَاتَ الْمُوصَى لَهُ وَقَبِلَ وَارِثُهُ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ هُوَ دُونَ مَوْرُوثِهِ عَلَى قَوْلِنَا بِمِلْكِ الْوَصِيَّةِ مِنْ حِينِ الْقَبُولِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ رُجُوعُ بَائِعِ الْمُفْلِسِ فِي عَيْنِ مَالِهِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُفْلِسِ وَيُحْتَمَلُ بِنَاؤُهُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ فَإِنْ قُلْنَا يَنْتَقِلُ إلَى الْوَرَثَةِ امْتَنَعَ رُجُوعُهُ وَبِهِ عَلَّلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَإِنْ قُلْنَا لَا يَنْتَقِلُ يَرْجِعُ بِهِ وَلَاسِيَّمَا وَالْحَقُّ هُنَا مُتَعَلِّقٌ فِي الْحَيَاةِ تَعَلُّقًا مُتَأَكِّدًا وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً بِسُقُوطِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ الرَّهْنِ بِمَوْتِهِ فَيَكُونُ أُسْوَة الْغُرَمَاءِ كَغَرِيمِ الْمُفْلِسِ، حَكَاهَا الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَهَذَا عَكْسُ مَا نَحْنُ فِيهِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ مَا نَقَلَ البزراطي عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ مَاتَ وَخَلَّفَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَعَلَيْهِ لِلْغُرَمَاءِ أَكْثَر مِنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ ابْنِهِ فَقَالَ ابْنُهُ لِغُرَمَائِهِ اُتْرُكُوا هَذَا الْأَلْفَ فِي يَدِي وَأَخِّرُونِي فِي حُقُوقِكُمْ ثَلَاثَ سِنِينَ حَتَّى أُوَفِّيَكُمْ جَمِيعَ حُقُوقِكُمْ، قَالَ إذَا كَانُوا اسْتَحَقُّوا قَبْضَ هَذِهِ الْأَلْفِ وَإِنَّمَا يُؤَخِّرُونَهُ لِيُوَفِّيَهُمْ لِأَجْلِ أَنْ يَتْرُكَهَا فِي يَدَيْهِ فَهَذَا لَا خَيْرَ لَهُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَقْبِضُوا الْأَلْفَ مِنْهُ وَيُؤَخِّرُونَهُ فِي الْبَاقِي مَا شَاءُوا، قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا تُخَرَّجُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ التَّرِكَةَ لَا تَنْتَقِلُ قَالَ إنْ قُلْنَا تَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ جَازَ ذَلِكَ وَهُوَ أَقْيَسُ بِالْمَذْهَبِ، وَتَوْجِيهُ مَا قَالَ إنْ حَقَّ الْغُرَمَاءِ فِي عَيْنِ التَّرِكَةِ دُونَ ذِمَّةِ الْوَرَثَةِ فَإِذَا أَسْقَطُوا حَقَّهُمْ مِنْ التَّعَلُّقِ بِشَرْطِ أَنْ يُوَفِّيَهُمْ الْوَرَثَةُ بَقِيَّةَ حُقُوقِهِمْ فَهُوَ إسْقَاطٌ بِعِوَضٍ غَيْرِ لَازِمٍ لِلْوَرَثَةِ فَإِنْ قِيلَ بِانْتِقَالِ التَّرِكَةِ إلَى الْوَارِثِ فَقَدْ أَذِنَ لَهُ فِي الِانْتِفَاعِ بِمَالِهِ بِعِوَضٍ يَلْزَمُهُ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ قِيلَ بِعَدَمِ الِانْتِقَالِ فَهُوَ شَبِيهٌ بِتَمْلِيكِهِ أَلْفًا بِأَلْفَيْنِ إلَى أَجَلٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَمْلِيكًا مَعَ أَنَّ قَوْلَ أَحْمَدَ لَا خَيْرَ فِيهِ لَيْسَ تَصْرِيحًا بِالتَّحْرِيمِ فَيَحْتَمِلُ الْكَرَاهَةَ‏.‏

قَوْلُهُ وَيُؤَخِّرُونَهُ فِي الْبَاقِي مَا شَاءُوا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَرَثَةَ إذَا تَصَرَّفُوا فِي التَّرِكَةِ صَارُوا ضَامِنِينَ جَمِيع الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِمْ فَيُطَالَبُونَ بِهِ وَمَتَى كَانَ الدَّيْنُ فِي ذِمَمِ الْوَرَثَةِ قَوِيَ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ انْتِقَالَهُ إلَى ذِمَمِهِمْ فَرْعُ انْتِقَالِ التَّرِكَةِ إلَيْهِمْ فَيَبْقَى كَالْمُفْلِسِ إذَا طَلَبَ مِنْ غُرَمَائِهِ الْإِمْهَالَ وَإِسْقَاطَ حُقُوقِهِمْ مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ لِيُوَفِّيَهُمْ إيَّاهَا كَامِلَةً إلَى أَجَلٍ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ وِلَايَةُ الْمُطَالَبَةِ بِالتَّرِكَةِ إذَا كَانَتْ دَيْنًا وَنَحْوَهُ هَلْ لِلْوَرَثَةِ خَاصَّةً أَمْ لِلْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ فِي رَجُلٍ مَاتَ وَخَلَّفَ وَدِيعَةً عِنْدَ رَجُلٍ وَلَمْ يُوصِ إلَيْهِ بِشَيْءٍ وَخَلَّفَ عَلَيْهِ دَيْنًا يَجُوزُ لِهَذَا الْمُودِعِ أَنْ يَدْفَعَ إلَى وَلَدِ الْمَيِّتِ‏؟‏ فَقَالَ‏:‏ إنْ كَانَ أَصْحَابُ الدَّيْنِ جَمِيعًا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُودِعٌ وَيَخَافُ تَبِعَتَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا عَلَيْهِ لِيَخْلُفُوا جَمِيعَ أَصْحَابِ الدَّيْنِ وَالْوَرَثَةَ يُسْلِمُ إلَيْهِمْ وَنَقَلَ صَالِحٌ نَحْوَهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْغُرَمَاءِ وِلَايَةَ الْمُطَالَبَةِ وَالرُّجُوعَ عَلَى الْمُودَعِ إذَا سَلَّمَ الْوَدِيعَةَ إلَى الْوَرَثَةِ وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى الِاحْتِيَاطِ قَالَ؛ لِأَنَّ التَّرِكَةَ مِلْكٌ لِلْوَرَثَةِ وَلَهُمْ الْوَفَاءُ مِنْ غَيْرِهَا‏.‏

وَظَاهِرُ كَلَامِهِ إنْ قُلْنَا‏:‏ التَّرِكَةُ مِلْكٌ لَهُمْ فَلَهُمْ وِلَايَةُ الطَّلَبِ وَإِنْ قُلْنَا لَيْسَتْ مِلْكًا لَهُمْ فَلَيْسَ لَهُمْ الِاسْتِقْلَالُ بِذَلِكَ وَقَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ عِنْدِي إنَّ نَصَّ أَحْمَدَ عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ وَالْغُرَمَاءَ تَتَعَلَّقُ حُقُوقُهُمْ بِالتَّرِكَةِ كَالرَّهْنِ وَالْجَانِي فَلَا يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَى بَعْضِهِمْ قَالَ وَإِنَّمَا الْمُشْكِلُ أَنَّ مَفْهُومَ كَلَامِهِ جَوَازُ الدَّفْعِ إلَى الْوَرَثَةِ بِمُفْرَدِهِمْ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ إذَا وَثِقَ بِتَوْفِيَتِهِمْ الدَّيْنَ‏.‏ ‏(‏انْتَهَى‏)‏‏.‏

وَلَا رَيْبَ أَنَّ حُقُوقَ الْوَرَثَةِ تَتَعَلَّقُ بِهَا أَيْضًا وَإِنْ قُلْنَا لَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ وَهُمْ قَائِمُونَ مَقَامَ الْوَصِيِّ عِنْدَ عَدَمِهِ أَيْضًا فِي إيفَائِهِ الدُّيُونَ وَغَيْرَهَا عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ فَالْمُتَوَجَّهُ هُوَ الدَّفْعُ إلَى الْوَرَثَةِ وَالْغُرَمَاءِ جَمِيعِهِمْ وَلَا يَمْلِكُونَ الدَّفْعَ إلَى الْغُرَمَاءِ بِانْفِرَادِهِمْ بِكُلِّ حَالٍ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا فِيمَنْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ وَصَّى بِهَا رَبُّهَا لِرَجُلٍ ثُمَّ مَاتَ أَنَّ الْمُودَعَ لَا يَدْفَعُهَا إلَى الْمُوصَى لَهُ‏.‏

فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ، وَلَكِنْ يَجْمَعُ الْوَرَثَةَ وَالْمُوصَى لَهُ فَإِنْ أَجَازُوا وَإِلَّا دَفَعَ إلَيْهِمْ جَمِيعًا وَلَعَلَّ هَذَا فِيمَا إذَا لَمْ يُثْبِتْ الْوَصِيَّةَ فِي الظَّاهِرِ وَإِنَّمَا الْمُودَعُ يَدَّعِي ذَلِكَ وَأَنَّهَا لَا تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ وَكَذَلِكَ قَالَ إنْ أَجَازُوا لِغَيْرِ الْوَرَثَةِ وَإِلَّا فَالْعَيْنُ الْمُوصَى بِهَا إذَا خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ لَا حَقَّ فِيهَا لِلْوَرَثَةِ وَلَا تَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ بِكُلِّ حَالٍ عَلَى الصَّحِيحِ وَفِي الْمُحَرَّرِ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُوصِي بِهِ لِمُعَيَّنٍ فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ دَفَعَهُ إلَى الْمُوصِي وَإِنْ شَاءَ دَفَعَهُ إلَى الْمُوصَى لَهُ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ فَإِنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِدُونِ الدَّفْعِ إلَى الْوَارِثِ وَالْوَصِيِّ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهَا كَالدَّيْنِ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِيمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِمَيِّتٍ وَعَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ فَقَضَى رَبُّهُ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ وَوَجَّهَهُ الْقَاضِي بِأَنَّ الْوَرَثَةَ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَالِ الَّذِي فِي مُقَابَلَةِ الدَّيْنِ فَلَا يَكُونُ مُتَصَرِّفًا فِي حُقُوقِهِمْ وَهَذَا مُتَوَجَّهٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ التَّرِكَةَ لَا تَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ مَعَ الدَّيْنِ فَلَا يَكُونُ الْقَضَاءُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى أَنَّ كُلَّ مَالٍ مُسْتَحَقٍّ يَجُوزُ دَفْعُهُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ مَعَ وُجُودِ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْقَبْضِ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي الْقَوَاعِدِ‏.‏

‏[‏الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ‏]‏ التَّدْبِيرُ هَلْ هُوَ وَصِيَّةٌ أَوْ عِتْقٌ بِصِفَةٍ‏؟‏

فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ يَنْبَنِي عَلَيْهِمَا فَوَائِدُ كَثِيرَة‏:‏

‏(‏مِنْهَا‏)‏ لَوْ قَتَلَ الْمُدَبَّرُ سَيِّدَهُ هَلْ يُعْتَقُ وَفِيهِ طَرِيقَانِ‏:‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ بِنَاؤُهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ إنْ قُلْنَا‏:‏ هُوَ عِتْقٌ بِصِفَةٍ عَتَقَ وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ وَصِيَّةٌ لَمْ يُعْتَقْ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ الْمُوصَى لَهُ إذَا قَتَلَ الْمُوصِيَ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ لَمْ يُعْتَقْ وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ‏.‏

وَالثَّانِيَةُ‏:‏ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْهُ عَلَى مَوْتِهِ بِقَتْلِهِ إيَّاهُ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ وَهِبَتُهُ وَالْمَذْهَبُ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ أَوْ تَعْلِيقٌ بِصِفَةِ وَكِلَاهُمَا لَا يَمْنَعُ نَقْلَ الْمِلْكِ قَبْلَ الصِّفَةِ وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى بِالْمَنْعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ عِتْقٌ بِصِفَةٍ فَيَكُونُ لَازِمًا كَالِاسْتِيلَاءِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ اعْتِبَارُهُ مِنْ الثُّلُثِ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ وَنَقَلَ حَنْبَل أَنَّهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَهُوَ مُتَخَرَّجٌ عَلَى أَنَّهُ عِتْقٌ لَازِمٌ كَالِاسْتِيلَاءِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ إبْطَالُ التَّدْبِيرِ وَالرُّجُوعُ عَنْهُ بِالْقَوْلِ وَفِي صِحَّتِهِ رِوَايَتَانِ بَنَاهُمَا الْخِرَقِيِّ وَالْأَصْحَابُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَإِنْ قِيلَ‏:‏ هُوَ وَصِيَّةٌ جَازَ الرُّجُوعُ عَنْهُ وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ عِتْقٌ فَلَا وَلِلْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ فِي تَعْلِيقِهِمَا طَرِيقَةٌ أُخْرَى أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ هُنَا عَلَى قَوْلِنَا إنَّهُ وَصِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ نَتَجَتْ بِالْمَوْتِ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْوَصَايَا وَهُوَ مُنْتَقَضٌ بِالْوَصِيَّةِ لِجِهَاتِ الْبِرِّ وَلِأَبِي الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ طَرِيقَةٌ ثَالِثَةٌ وَهِيَ بِنَاءُ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى جَوَازِ الرُّجُوعِ بِالْبَيْعِ أَمَّا إنْ قُلْنَا‏:‏ يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ بِالْفِعْلِ فَالْقَوْلُ أَوْلَى‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ بَاعَ الْمُدَبَّرَ ثُمَّ اشْتَرَاهُ فَهَلْ يَكُونُ بَيْعُهُ رُجُوعًا فَلَا يَعُودُ تَدْبِيرُهُ أَوْ لَا يَكُونُ رُجُوعًا فَيَعُودُ‏؟‏ فِيهِ رِوَايَتَانِ أَيْضًا بَنَاهُمَا الْقَاضِي وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَإِنْ قُلْنَا التَّدْبِيرُ وَصِيَّةٌ بَطَلَتْ بِخُرُوجِهِ عَلَى مِلْكِهِ وَلَمْ يَبْعُدْ نُفُوذُهُ وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ هُوَ تَعْلِيقٌ بِصِفَةٍ عَادَ بِعَوْدِ الْمِلْكِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِنَا فِي عَوْدِ الصِّفَةِ بِعَوْدِ الْمِلْكِ فِي الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَطَرِيقَةُ الْخِرَقِيِّ وَطَائِفَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ التَّدْبِيرَ يَعُودُ بِعَوْدِ الْمِلْكِ‏.‏

هَاهُنَا رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ بِخِلَافِ مَا إذَا أَبْطَلَ تَدْبِيرَهُ بِالْقَوْلِ وَهُوَ يَتَنَزَّلُ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَبْطُلُ بِزَوَالِ الْمِلْكِ مُطْلَقًا بَلْ تَعُودُ بِعَوْدِهِ وَإِمَّا أَنَّ هَذَا حُكْمُ الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ خَاصَّةً‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ قَالَ عَبْدِي فُلَانٌ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِسَنَةٍ فَهَلْ يَصِحُّ وَيُعْتَقُ بَعْدَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ أَمْ يَبْطُلُ ذَلِكَ‏؟‏ عَلَى رِوَايَتَيْنِ بَنَاهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَإِنْ قُلْنَا‏:‏ التَّدْبِيرُ وَصِيَّةٌ صَحَّ تَقْيِيدُهَا بِصِفَةٍ أُخْرَى تُوجَدُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ عِتْقٌ بِصِفَةٍ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ‏.‏

وَهَؤُلَاءِ قَالُوا‏:‏ لَوْ صَرَّحَ بِالتَّعْلِيقِ فَقَالَ إنْ دَخَلْتَ الدَّارَ بَعْدَ مَوْتِي بِسَنَةٍ فَأَنْتَ حُرٌّ لَمْ يُعْتَقْ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ عَقِيلٍ فِي إشَارَتِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَإِنْ التَّدْبِيرَ وَالتَّعْلِيقَ بِالصِّفَةِ إنَّمَا يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ مَعَ الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ وُجُودُ الصِّفَةِ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ فَأَمَّا مَعَ التَّنْفِيذِ بِمَا يَمْنَعُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَتَنْفِيذٌ بِهِ وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ جَعَلَ هَذَا الْعَقْدَ تَدْبِيرًا وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْفِي ذَلِكَ وَلَهُمْ فِي حِكَايَةِ الْخِلَافِ فِيهِ أَرْبَعَةُ طُرُقٍ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ كَاتَبَ مُدَبَّرَهُ فَهَلْ يَكُونُ رُجُوعًا عَنْ التَّدْبِيرِ‏؟‏ إنْ قُلْنَا عِتْقٌ بِصِفَةٍ لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا، وَإِنْ قُلْنَا هُوَ وَصِيَّةٌ انْبَنَى عَلَى أَنَّ كِتَابَةَ الْمُوصَى بِهِ هَلْ تَكُونُ رُجُوعًا فِيهِ‏؟‏ وَجْهَانِ أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ رُجُوعٌ وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ كِتَابَةَ الْمُدَبَّرِ لَيْسَتْ رُجُوعًا عَنْ تَدْبِيرِهِ وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رُجُوعٌ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ وَصَّى بِعَبْدِهِ ثُمَّ دَبَّرَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ الْوَصِيَّةِ وَالثَّانِي لَيْسَ بِرُجُوعٍ فَعَلَى هَذَا فَائِدَةُ الْوَصِيَّةِ بِهِ أَنَّهُ لَوْ أَبْطَلَ تَدْبِيرَهُ بِالْقَوْلِ لَاسْتَحَقَّهُ الْمُوصَى لَهُ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ التَّدْبِيرَ هَلْ هُوَ عِتْقٌ بِصِفَةٍ أَوْ وَصِيَّةٌ فَإِنْ قُلْنَا‏:‏ هُوَ عِتْقٌ بِصِفَةٍ قُدِّمَ عَلَى الْمُوصَيْ بِهِ وَإِنْ قُلْنَا هُوَ وَصِيَّةٌ فَقَدْ ازْدَحَمَتْ وَصِيَّتَانِ فِي هَذَا الْعَبْدِ فَيَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْوَصَايَا الْمُزْدَحِمَةَ إذَا كَانَ بَعْضُهَا عِتْقًا هَلْ يُقَدَّمُ أَوْ يَتَحَاصَّ الْعِتْقُ وَغَيْرُهُ‏؟‏ عَلَى رِوَايَتَيْنِ فَإِنْ قُلْنَا بِالْمُحَاصَّةِ فَهُوَ كَمَا لَوْ دَبَّرَ نِصْفَهُ وَوَصَّى بِنِصْفِهِ وَيَصِحُّ ذَلِكَ عَلَى الْمَنْصُوصِ‏.‏ ‏(‏انْتَهَى‏)‏‏.‏

وَقَدْ يُقَالُ الْمُوصَى لَهُ إنْ قِيلَ لَا يَمْلِكُ حَتَّى يَقْبَلَ فَقَدْ سَبَقَ زَمَنُ الْعِتْقِ لِزَمَنِ مِلْكِهِ فَيَنْفُذُ وَإِنْ قِيلَ‏:‏ يَمْلِكُ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ فَقَدْ قَارَنَ زَمَنُ مِلْكِهِ زَمَنَ الْعِتْقِ فَيَنْبَغِي تَقْدِيمُ الْعِتْقِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ عَتَقَ عَبْدَهُ بِبَيْعِهِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ الْوَصِيَّةُ بِالْمُدَبَّرِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ الطَّارِئ إذَا أَبْطَلَ الْوَصِيَّةَ عَلَى الْمَشْهُورِ فَكَيْفَ يَصِحُّ طَرَيَان الْوَصِيَّةِ عَلَى التَّدْبِيرِ وَمُزَاحَمَتُهَا لَهُ‏؟‏ وَبَنَى الشَّيْخُ هَذِهِ الْمَسَائِلَ أَيْضًا عَلَى الْأُصُولِ السَّابِقَةِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ وَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَتْبَعُهَا فِي التَّدْبِيرِ كَمَا وَلَدَتْهُ بَعْدَهُ سَوَاءٌ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ التَّعْلِيقِ أَوْ الْعِتْقِ أَوْ حَادِثًا بَيْنَهُمَا وَحَكَى الْقَاضِي فِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَبَعِيَّةِ الْوَلَدِ رِوَايَتَيْنِ وَبَنَاهُمَا عَلَى أَنَّ التَّدْبِيرَ هَلْ هُوَ عِتْقٌ لَازِمٌ كَالِاسْتِيلَادِ وَمِنْ هُنَا قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ تَبَعِيَّةُ الْوَلَدِ مَبْنِيٌّ عَلَى لُزُومِ التَّدْبِيرِ وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَتْبَعُهَا الْحَادِثَ بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا يَتْبَعُهَا إذَا كَانَ مَوْجُودًا مَعَهَا فِي أَحَدِهِمَا مِنْ حُكْمِ وَلَدِ الْمُعَلَّقِ عِتْقُهَا بِصِفَةٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّدْبِيرَ تَعْلِيقٌ بِصِفَةٍ فَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يُخَرِّجَ طَرِيقَةً أُخْرَى أَنَّهُ لَا يَتْبَعُهَا الْوَلَدُ الْحَادِثُ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ خِلَافٍ وَإِنَّمَا كَانَ مَوْجُودًا فِي أَحَدِ الْحَالَيْنِ فَهَلْ يَتْبَعُهَا‏؟‏ عَلَى وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُدَبَّرَ وَصِيَّةٌ وَحُكْمُ وَلَدِ الْمُوصَى بِهَا كَذَلِكَ وَعِنْدَ الْأَصْحَابِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ جَحَدَ السَّيِّدُ التَّدْبِيرَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ وَقَالَ الْأَصْحَابُ إنْ قُلْنَا هُوَ عِتْقٌ بِصِفَةٍ لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ هُوَ وَصِيَّةٌ فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ جَحْدَ الْمُوصِي الْوَصِيَّةَ هَلْ هُوَ رُجُوعٌ أَمْ لَا‏؟‏

‏[‏الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ‏]‏ نَفَقَةُ الْحَامِلِ هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ لَهَا أَوْ لِحَمْلِهَا‏؟‏

فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ مَشْهُورَتَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهَا لِلْحَمْلِ وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهَا فَوَائِدُ‏.‏

‏(‏مِنْهَا‏)‏ إذَا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ رَقِيقًا، فَإِنْ قُلْنَا النَّفَقَةُ لِلزَّوْجَةِ وَجَبَتْ لَهَا عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ زَوْجَةِ الْعَبْدِ فِي كَسْبِهِ أَوْ تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا وَفِي الْهِدَايَةِ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ عَلَى سَيِّدِهِ فَتَجِبُ هَاهُنَا عَلَى السَّيِّدِ وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ لِلْحَمْلِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ هُوَ الرَّقِيقَ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ أَقَارِبَةِ وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الرَّقِيقَةَ فَالْوَلَدُ مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ فَنَفَقَتُهُ عَلَى مَالِكِهِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ إذَا كَانَ الزَّوْجُ مُعْسِرًا فَإِنْ قُلْنَا لِلزَّوْجَةِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَإِنْ قُلْنَا لِلْحَمْلِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْأَقَارِبِ مَشْرُوطَةٌ بِالْيَسَارِ دُونَ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ مَاتَ الزَّوْجُ فَهَلْ يَلْزَمُ أَقَارِبَهُ النَّفَقَةُ إنْ قُلْنَا هِيَ لِلْحَمْلِ لَزِمَتْ الْوَرَثَةَ وَإِنْ قُلْنَا هِيَ لِلزَّوْجَةِ لَمْ يَلْزَمْهُمْ بِحَالٍ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ غَابَ الزَّوْجُ فَهَلْ تَثْبُتُ النَّفَقَةُ فِي ذِمَّتِهِ فِيهِ طَرِيقَانِ‏:‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ إنْ قُلْنَا هِيَ لِلزَّوْجَةِ ثَبَتَتْ فِي ذِمَّتِهِ وَلَمْ تَسْقُطْ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ هِيَ لِلْحَمْلِ سَقَطَتْ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْأَقَارِبِ لَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ وَالثَّانِي لَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمُغْنِي وَعَلَّلَ بِأَنَّهَا مَصْرُوفَةٌ إلَى الزَّوْجِ وَيَتَعَلَّقُ حَقُّهَا بِهَا فَهِيَ كَنَفَقَتِهَا‏.‏

وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الْأَصْحَابِ لَوْ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا يَظُنُّهَا حَائِلًا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا حَامِلٌ لَزِمَ نَفَقَةُ الْمَاضِي‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ إذَا اخْتَلَعَتْ الْحَامِلُ بِنَفَقَتِهَا فَهَلْ يَصِحُّ جَعْلُ النَّفَقَةِ عِوَضًا لِلْخُلْعِ‏.‏

قَالَ الشِّيرَازِيُّ‏:‏ إنْ قُلْنَا النَّفَقَةُ لَهَا تَصِحُّ وَإِنْ قُلْنَا لِلْحَمْلِ لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَمْلِكْهَا‏.‏

وَقَالَ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرُونَ‏:‏ يَصِحُّ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهَا مَصْرُوفَةٌ إلَيْهَا وَهِيَ الْمُنْتَفِعَةُ بِهَا‏]‏‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ نَشَزَتْ الزَّوْجَةُ حَامِلًا فَإِنْ قُلْنَا نَفَقَةُ الْحَمْلِ لَهَا سَقَطَتْ بِالنُّشُوزِ وَإِنْ قُلْنَا لِلْحَمْلِ لَمْ تَسْقُطْ بِهِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ الْحَامِلُ مِنْ وَطْء الشُّبْهَةِ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ فَهَلْ تَجِبُ نَفَقَتُهَا عَلَى الْوَاطِئِ إنْ قُلْنَا النَّفَقَةُ لَهَا لَمْ تَجِبْ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لَا تَجِبُ لِلْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ وَلَا فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا إلَّا أَنْ يُسْكِنَهَا فِي مَنْزِلٍ يَلِيقُ بِهَا تَحْصِينًا لِمَائِهِ فَيَلْزَمُهَا ذَلِكَ ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَتَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ حِينَئِذٍ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ‏.‏

وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ وَجَبَتْ لِأَنَّ النَّسَبَ لَاحِقٌ بِهَذَا الْوَاطِئِ وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ عَلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهَا وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ يَتَوَجَّهُ وُجُوبُ النَّفَقَةِ لَهَا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ حَمْلٍ كَمَا يَجِبُ لَهَا الْمَهْرُ الْمُسَمَّى وَيَتَقَرَّرُ بِالْخَلْوَةِ عَلَى الْمَنْصُوصِ لِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَلَيْهِ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ وَلَا تَتَزَوَّجُ عِنْدَنَا بِدُونِ طَلَاقِهِ وَقَاسَهُ عَلَى الْعَبْدِ الْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وَلَوْ أَلْزَمَ حَاكِمٌ بِالنَّفَقَةِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ لِاعْتِقَادِ صِحَّتَهُ فَلِلزَّوْجِ الرُّجُوعُ بِالنَّفَقَةِ عِنْدَ مَنْ يَرَى فَسَادَهُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُغْنِي احْتِمَالًا بِعَدَمِ الرُّجُوعِ؛ لِأَنَّهُ نَقْضٌ لِلْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَلَا يَجُوزُ مَا لَمْ يُخَالِفْ كِتَابًا أَوْ إجْمَاعًا‏.‏

وَذَكَرَ فِي الْمُغْنِي أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ أَنْفَقَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ مِنْ غَيْرِ حَاكِمٍ لَمْ يَرْجِعْ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَلِمَ فَسَادَهُ كَانَ مُتَبَرِّعًا وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَهُوَ مُفَرِّطٌ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ كَانَ الْحَمْلُ مُوسِرًا بِأَنْ يُوصِيَ لَهُ بِشَيْءٍ فَيَقْبَلُهُ الْأَبُ فَإِنْ قُلْنَا النَّفَقَةُ لَهُ سَقَطَتْ نَفَقَتُهُ عَنْ أَبِيهِ وَإِنْ قُلْنَا لِأُمِّهِ لَمْ تَسْقُطْ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ دَفَعَ إلَيْهَا النَّفَقَةَ فَتَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ فَإِنْ قُلْنَا النَّفَقَةُ لَهَا لَمْ يَلْزَمْ بَدَلُهَا وَإِنْ قُلْنَا لِلْحَمْلِ وَجَبَ إبْدَالُهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ أَعْتَقَ الْحَامِلَ مِنْ مِلْكِ يَمِينِهِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا إنْ قُلْنَا‏:‏ النَّفَقَةُ لَهَا لَمْ تَجِبْ إلَّا حَيْثُ تَجِبُ نَفَقَةُ الْعِتْقِ وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ وَجَبَتْ بِكُلِّ حَالٍ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ فِطْرَةُ الْمُطَلَّقَةِ الْحَامِلِ إنْ قُلْنَا النَّفَقَةُ لَهَا وَجَبَتْ لَهَا الْفِطْرَةُ وَإِنْ قُلْنَا لِلْحَمْلِ فَفِطْرَةُ الْحَمْلِ عَلَى أَبِيهِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ هَلْ تَجِبُ السُّكْنَى لِلْمُطَلَّقَةِ الْحَامِلِ إنْ قُلْنَا‏:‏ النَّفَقَةُ لَهَا فَلَهَا السُّكْنَى أَيْضًا وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ لِلْحَمْلِ فَلَا سُكْنَى لَهَا ذَكَرَهُ الْحَلْوَانِيُّ فِي التَّبْصِرَةِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ نَفَقَةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا، وَفِي وُجُوبِهَا رِوَايَتَانِ بَنَاهُمَا ابْنُ الزاغوني عَلَى هَذَا إلَّا أَنَّهُ قَالَ‏:‏ فَإِنْ قُلْنَا‏:‏ النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ وَجَبَتْ مِنْ التَّرِكَةِ كَمَا لَوْ كَانَ الْأَبُ حَيًّا وَإِنْ قُلْنَا لِلْمَرْأَةِ لَمْ تَجِبْ وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْأَقَارِبِ لَا تَجِبُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْعَكْسِ وَهُوَ أَنَّا إنْ قُلْنَا لِلْحَمْلِ لَمْ يَجِبْ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا لِهَذَا الْمَعْنَى وَإِنْ قُلْنَا لِلْمَرْأَةِ وَجَبَتْ؛ لِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَلَى الْمَيِّتِ لِحَقِّهِ فَتَجِبُ نَفَقَتُهَا مِنْ مَالِهِ وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي قَاعِدَةِ الْحَمْلِ هَلْ لَهُ حُكْمٌ أَمْ لَا‏؟‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ الْبَائِنُ فِي الْحَيَاةِ بِفَسْخٍ أَوْ طَلَاقٍ إذَا كَانَتْ حَامِلًا فَلَهَا النَّفَقَةُ وَحَكَى الْحَلْوَانِيُّ وَابْنُهُ رِوَايَةً أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا وَخَصَّهَا ابْنُهُ بِالْمَبْتُوتَةِ بِالثَّلَاثِ وَبَنَاهَا عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ لِلْمَرْأَةِ وَالْمَبْتُوتَةَ لَا تَسْتَحِقُّ نَفَقَةً، إنَّمَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ إذَا قُلْنَا هِيَ لِلْحَمْلِ وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ فِي الْقِيَاسِ إلَّا أَنَّهُ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ فِيمَا أَظُنُّ وَوُجُوبُ النَّفَقَةِ لِلْمَبْتُوتَةِ الْحَامِلِ يُرَجِّحُ الْقَوْلَ بِأَنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَمْلِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ فَبَانَتْ أَمَةً وَهُوَ مِمَّنْ يُبَاحُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ فَفَسَخَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ فَفِي كِتَابِ النِّكَاحِ مِنْ الْمُجَرَّدِ هُوَ النِّكَاحُ الْفَاسِدُ إنْ قُلْنَا‏:‏ النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ وَجَبَتْ عَلَى الزَّوْجِ وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ لِلْحَامِلِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ فِي النَّفَقَاتِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ هَذَا نِكَاحٌ صَحِيحٌ فَيَلْزَمُ فِيهِ النَّفَقَةُ وَفِي عِدَّتِهِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ وُطِئَتْ الرَّجْعِيَّةُ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ ثُمَّ بَانَ بِهَا حَمْلٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الزَّوْجِ وَالْوَاطِئِ فَيَلْزَمُهَا أَنْ تَعْتَدَّ بَعْدَ وَضْعِهِ عِدَّةَ الْوَاطِئِ فَأَمَّا نَفَقَتُهَا فِي مُدَّةِ هَذِهِ الْعِدَّةِ فَإِنْ قُلْنَا‏:‏ النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ فَعَلَيْهِمَا النَّفَقَةُ عَلَيْهَا حَتَّى تَضَعَ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ لِأَحَدِهِمَا يَقِينًا وَلَا نَعْلَمُ عَيْنَهُ وَلَا تَرْجِعُ الْمَرْأَةُ عَلَى الزَّوْجِ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَاضِي، وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ لَا نَفَقَةَ لِلْحَامِلِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّةَ الْحَمْلِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ الزَّوْجِ فَيَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ الْآخَرِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ، فَلَا تَجِبُ بِالشَّكِّ فَإِذَا وَضَعَتْهُ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى أَحَدِهِمَا وَهُوَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَيَلْزَمُهُمَا جَمِيعًا النَّفَقَةُ حَتَّى يَنْكَشِفَ الْأَبُ مِنْهُمَا‏.‏

وَتَرْجِعُ الْمَرْأَةُ عَلَى الزَّوْجِ بَعْدَ الْوَضْعِ بِنَفَقَةِ أَقْصَرِ الْمُدَّتَيْنِ مِنْ مُدَّةِ الْحَمْلِ أَوْ قَدْرِ مَا بَقِيَ مِنْ الْعِدَّةِ بَعْدَ الْوَطْءِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّهَا تَعْتَدُّ عَنْهُ بِأَحَدِهِمَا قَطْعًا ثُمَّ إذَا زَالَ الْإِشْكَالُ وَأَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ عُمِلَ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ مَعَهَا وَفْقُ حَقِّهَا مِنْ النَّفَقَةِ وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَى الزَّوْجِ بِالْفَضْلِ وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا فَالْحُكْمُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ أَنَّهُ لَا تَرْجِعُ الْمَرْأَةُ بَعْدَ الْوَضْعِ بِشَيْءٍ عَلَى الزَّوْجِ سَوَاءٌ قُلْنَا‏:‏ النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ أَوْ لِلْحَامِلِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لَا تُسْتَحَقُّ مَعَ الْبَيْنُونَةِ إلَّا بِالْحَمْلِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ هُنَا أَنَّهُ مِنْهُ بِخِلَافِ الرَّجْعِيَّةِ ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ‏.‏

وَلَوْ قِيلَ فِي صُورَةِ الرَّجْعِيَّةِ إذَا قُلْنَا النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ إنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ مِنْ الزَّوْجِ وَالْوَاطِئِ وَكَذَا بَعْدَ الْوَضْعِ وَقَبْلَ ثُبُوتِ نَسَبِهِ مِنْ أَحَدِهِمَا لِيُوجِبَهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ‏:‏ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا جَمِيعًا فَتَمْتَنِعُ الْقُرْعَةُ عَلَى أَحَدِهِمَا لِذَلِكَ وَمَتَى ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْ أَحَدِهِمَا فَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمُجَرَّدِ‏:‏ يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْآخَرُ بِمَا أَنْفَقَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْفِقْ مُتَبَرِّعًا وَقَيَّدَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ الرُّجُوعُ وَيُنْفِقُ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ فَإِنْ شَرَطَ الرُّجُوعَ وَأَنْفَقَ مِنْ غَيْرِ إذْنِ حَاكِمٍ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ كَقَضَاءِ الدَّيْنِ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي الْقَوَاعِدِ وَالصَّحِيحُ هُنَا الرُّجُوعُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُغْنِي أَنَّ الْمُلَاعِنَةَ لَوْ أَنْفَقَتْ عَلَى الْوَلَدِ ثُمَّ اسْتَلْحَقَهُ الْمَلَاعِنُ رَجَعَتْ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا إنَّمَا أَنْفَقَتْ لِظَنِّهَا أَنَّهُ لَا أَبَ لَهُ وَأَمَّا إذَا قُلْنَا‏:‏ النَّفَقَةُ لِلْحَامِلِ فَإِنَّا لَمْ نُوجِبْ لَهَا النَّفَقَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْحَامِلَ لَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَى الْوَاطِئِ بِشُبْهَةٍ أَوْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ كَمَا سَبَقَ وَالزَّوْجُ لَيْسَ بِمُتَمَكِّنٍ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فِي حَالَةِ الْحَمْلِ؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ إذَا حَمَلَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْ شُبْهَةٍ انْقَطَعَتْ عِدَّةُ الزَّوْجِ مِنْ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَحَرُمَ عَلَى الزَّوْجِ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا وَهَلْ لَهُ رَجْعَتُهَا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ لِبَقَاءِ بَقِيَّةِ عِدَّتِهِ عَلَيْهَا عَلَى وَجْهَيْنِ وَجَزَمَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ بِالْمَنْعِ وَرَجَّحَ صَاحِبُ الْمُغْنِي الْجَوَازَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ لَا نَفَقَةَ لَهَا لِتَحْرِيمِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا عَلَى الزَّوْجِ سَوَاءٌ كَانَتْ مَكَّنَتْ مِنْ الْوَطْءِ أَوْ لَا فَإِنَّهُ لَوْ غَصَبَهَا غَاصِبٌ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا‏.‏

‏[‏الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ‏]‏ الْقَتْلُ الْعَمْدُ هَلْ مُوجِبُهُ الْقَوَدُ عَنْهَا أَوْ أَحَدُ أَمْرَيْنِ‏؟‏

فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُمَا وَفَوَائِدهمَا فِي الْقَوَاعِدِ بِمَا يُغْنِي عَنْهُ‏.‏

‏[‏السَّادِسَةَ عَشْرَةَ‏]‏ الْمُرْتَدُّ هَلْ يَزُولُ مِلْكُهُ بِالرِّدَّةِ أَمْ لَا‏؟‏

فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا لَا يَزُولُ مِلْكُهُ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَيْهِ كَالْمُسْتَمِرِّ عَلَى عِصْمَتِهِ‏.‏

وَالثَّانِيَةُ‏:‏ تَزُولُ وَفِي وَقْتِ زَوَالِهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا‏:‏ مِنْ حِينِ مَوْتِهِ مُرْتَدًّا‏.‏

وَالثَّانِيَةُ‏:‏ مِنْ حِينِ رِدَّتِهِ فَإِنْ أَسْلَمَ أُعِيدَ إلَيْهِ مَالُهُ مِلْكًا جَدِيدًا وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ أَنَّا نَتَبَيَّنُ بِمَوْتِهِ مُرْتَدًّا زَوَالَ مِلْكِهِ مِنْ حِينِ الرِّدَّةِ‏.‏

وَلِهَذَا الِاخْتِلَافِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ‏:‏

‏(‏مِنْهَا‏)‏ لَوْ ارْتَدَّ فِي أَثْنَاءِ حَوْلِ الزَّكَاةِ فَإِنْ قُلْنَا زَالَ مِلْكُهُ بِالرِّدَّةِ انْقَطَعَ الْحَوْلُ بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ‏.‏

وَإِنْ قُلْنَا لَا يَزُولُ فَالْمَشْهُورُ أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ فَيَنْقَطِعُ الْحَوْلُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ مِنْ شَرَائِطِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فَيُعْتَبَرُ وُجُودُهُ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ‏.‏

وَحَكَى ابْنُ شَاقِلَا رِوَايَةً أَنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ إذَا عَادَ لَمَا مَضَى مِنْ الْأَحْوَالِ وَاخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ وَإِنْ ارْتَدَّ بَعْدَ الْحَوْلِ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ إلَّا إذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ وَقُلْنَا‏:‏ إنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ ارْتَدَّ الْمُعْسِرُ ثُمَّ أَيْسَرَ فِي زَمَنِ ارْتِدَادِهِ ثُمَّ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ وَقَدْ أَعْسَرَ فَإِنْ قُلْنَا إنْ مِلْكَهُ يَزُولُ بِالرِّدَّةِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ بِالْيَسَارِ السَّابِقِ وَإِنْ قُلْنَا لَا يَزُولُ مِلْكُهُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ بِذَلِكَ الْيَسَارِ فَيَنْبَنِي عَلَيْهِ وُجُوبُ الْعِبَادَاتِ عَلَيْهِ فِي حَالِ الرِّدَّةِ وَإِلْزَامُهُ قَضَاءَهَا بَعْدَ عَوْدِهِ إلَى الْإِسْلَامِ وَالصَّحِيحُ عَدَمُ الْوُجُوبِ فَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ مُسْتَطِيعًا‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ حُكْمُ تَصَرُّفَاتِهِ بِالْمُعَاوَضَاتِ وَالتَّبَرُّعَاتِ وَغَيْرِهَا فَإِنْ قُلْنَا‏:‏ لَا يَزُولُ مِلْكُهُ بِحَالٍ فَهِيَ صَحِيحَةٌ نَافِذَةٌ وَإِنْ قُلْنَا يَزُولُ بِمَوْتِهِ أَقَرَّ الْمَالَ بِيَدِهِ فِي حَيَاتِهِ وَنَفَذَتْ مُعَاوَضَاتُهُ وَوَقَفَتْ تَبَرُّعَاتُهُ الْمُنْجَزَةُ وَالْمُعَلَّقَةُ بِالْمَوْتِ فَإِذَا مَاتَ رُدَّتْ كُلُّهَا وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ الثُّلُثَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الرِّدَّةِ حُكْمُ الْمَرَضِ الْمَخُوفِ وَإِنَّمَا لَمْ تَنْفُذْ مِنْ ثُلُثُهُ؛ لِأَنَّ مَالَهُ يَصِيرُ فَيْئًا بِمَوْتِهِ مُرْتَدًّا وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ يَزُولُ مِلْكُهُ فِي الْحَالِ جُعِلَ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِحَالٍ لَكِنْ إذَا أَسْلَمَ رُدَّ إلَيْهِ مِلْكًا جَدِيدًا وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ هُوَ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى حَفِظَ الْحَاكِمُ مَالَهُ وَوُقِفَتْ تَصَرُّفَاتُهُ كُلُّهَا فَإِنْ أَسْلَمَ أُمْضِيَتْ وَإِلَّا تَبَيَّنَّا فَسَادَهَا‏.‏

تَنْبِيهٌ‏)‏ إنَّمَا تَبْطُلُ تَصَرُّفَاتُهُ لِنَفْسِهِ فِي مَالِهِ فَلَوْ تَصَرَّفَ لِغَيْرِهِ بِالْوَكَالَةِ صَحَّ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّ إبْطَالَ تَصَرُّفَاتِهِ إنَّمَا هُوَ لِزَوَالِ مِلْكِهِ وَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ فَيَتَصَرَّفُهُ بِالْوَكَالَةِ، نَعَمْ لَوْ كَانَ قَدْ وَكَّلَ وَكِيلًا ثُمَّ ارْتَدَّ وَقُلْنَا يَزُولُ مِلْكُهُ بَطَلَتْ وَكَالَتُهُ وَلَوْ تَصَرَّفَ لِنَفْسِهِ بِنِكَاحٍ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الرِّدَّةَ تَمْنَعُ الْإِقْرَارَ عَلَى النِّكَاحِ وَإِنْ زَوَّجَ مُوَلِّيَتَهُ لَمْ يَصِحَّ لِزَوَالِ وِلَايَتِهِ بِالرِّدَّةِ حَتَّى عَنْ أَمَتِهِ الْكَافِرَةِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ بَاعَ شِقْصًا مَشْفُوعًا فِي الرِّدَّةِ فَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ بَيْعِهِ أَخَذَ مِنْهُ بِالشُّفْعَةِ وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ بِيعَ فِي زَمَنِ رِدَّتِهِ شِقْصٌ فَجُعِلَ فِي تَرِكَتِهِ فَإِنْ قُلْنَا مِلْكُهُ بَاقٍ أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ وَإِلَّا فَلَا‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ حَازَ مُبَاحًا أَوْ عَمِلَ عَمَلًا بِأُجْرَةٍ فَإِنْ قُلْنَا مِلْكُهُ بَاقٍ مَلَكَ ذَلِكَ وَإِنْ قُلْنَا زَالَ مِلْكُهُ لَمْ يَمْلِكْهُ فَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ ذَلِكَ فَهَلْ يَعُودُ مِلْكُهَا إلَيْهِ‏؟‏ فِيهِ احْتِمَالَانِ مَذْكُورَانِ فِي الْمُغْنِي‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ الْوَصِيَّةُ لَهُ وَفِي صِحَّتِهَا وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى زَوَالِ مِلْكِهِ وَبَقَائِهِ فَإِنْ قُلْنَا زَالَ مِلْكُهُ لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ لَهُ وَإِلَّا صَحَّتْ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ مِيرَاثُهُ، فَإِنْ قُلْنَا لَا يَزُولُ مِلْكُهُ بِحَالٍ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ دِينِهِ الَّذِي اخْتَارَهُ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي ذَلِكَ وَإِنْ قُلْنَا يَزُولُ مِلْكُهُ مِنْ حِينِ الرِّدَّةِ أَوْ بِالْمَوْتِ فَمَالُهُ فَيْءٌ لَيْسَ لِوَرَثَتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ‏.‏

وَمِنْهَا نَفَقَةُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ فَإِنْ قُلْنَا مِلْكُهُ بَاقٍ وَلَوْ فِي حَيَاتِهِ أَوْ مُرَاعًى أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِهِ مُدَّةَ الرِّدَّةِ، وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ زَالَ بِالرِّدَّةِ فَلَا نَفَقَةَ لَهُمْ مِنْهُ فِي مُدَّةِ الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا قَضَاءُ دُيُونِهِ وَهُوَ كَالنَّفَقَةِ فَيَقْضِي دُيُونَهُ عَلَى الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا إلَّا عَلَى رِوَايَةِ زَوَالِ مِلْكِهِ مِنْ حِينِ الرِّدَّةِ فَلَا تُقْضَى مِنْهُ الدُّيُونُ الْمُتَجَدِّدَةُ فِي الرِّدَّةِ وَتُقْضَى مِنْهُ الدُّيُونُ الْمَاضِيَةُ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ فَيْئًا مَا فَضَلَ عَنْ أَدَاءِ دُيُونِهِ وَنَفَقَاتِ مَنْ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لِأَنَّ هَذِهِ الْحُقُوقَ لَا يَجُوزُ تَعْطِيلُهَا فَيُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ وَيَصِيرُ الْبَاقِي فَيْئًا‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ دَبَّرَ عَبْدًا ثُمَّ ارْتَدَّ السَّيِّدُ ثُمَّ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ قُلْنَا لَا يَزُولُ مِلْكُهُ فَالتَّدْبِيرُ بِحَالِهِ وَإِنْ قُلْنَا زَالَ مِلْكُهُ انْبَنَى عَلَى أَنَّ زَوَالَ الْمِلْكِ عَلَى الْمُدَبَّرِ هَلْ يُبْطِلُ تَدْبِيرَهُ أَمْ لَا وَجَزَمَ ابْنُ أَبِي مُوسَى بِبُطْلَانِ تَدْبِيرِهِ‏.‏

‏[‏السَّابِعَةَ عَشْرَةَ‏:‏‏]‏ الْكُفَّارُ هَلْ يَمْلِكُونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بِالِاسْتِيلَاءِ أَمْ لَا‏؟‏

الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَهَا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَهَا‏.‏

وَقَدْ نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَحَكَى طَائِفَةٌ رِوَايَتَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْهُمْ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ وَمُفْرَدَاتِهِ وَصَحَّحَ فِيهَا عَدَمَ الْمِلْكِ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إنَّ أَحْمَدَ لَمْ يَنُصَّ عَلَى الْمِلْكِ وَلَا عَلَى عَدَمِهِ وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى أَحْكَامٍ أَخَذَ مِنْهَا ذَلِكَ وَالصَّوَابُ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَهَا مِلْكًا مُقَيَّدًا لَا يُسَاوِي أَمْلَاكَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلِهَذَا الْخِلَافِ فَوَائِدُ‏:‏

‏(‏مِنْهَا‏)‏ أَنَّ مَنْ وَجَدَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَيْنَ مَالِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ مَجَّانًا بِغَيْرِ عِوَضٍ وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَهَلْ يَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ بِالثَّمَنِ‏؟‏ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ مَجَّانًا بِكُلِّ حَالٍ‏.‏

وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِي هَذَا‏:‏ هُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَزُولُ إلَّا بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ وَلَكِنَّ عُمَرَ قَالَ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ إذَا قُلْنَا يَمْلِكُونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ فَغُنِمَتْ مِنْهُمْ وَلَمْ يُعْلَمْ أَرْبَابُهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قِسْمَتُهَا وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا وَمَنْ قَالَ‏:‏ لَا يَمْلِكُوهَا فَقِيَاسُ قَوْلِهِ إنَّهُ لَا يَجُوزُ قِسْمَتُهَا وَلَا التَّصَرُّفُ بَلْ تُوقَفُ كَاللُّقَطَةِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَغَيْرُهُ وَأَمَّا مَا عُرِفَ مَالِكُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ قِسْمَتُهُ بَلْ يُرَدُّ إلَيْهِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ وَاحِدٍ وَقَيَّدَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد فِيمَا إذَا كَانَ مَالِكُهُ بِالْقُرْبِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ إذَا أَسْلَمُوا وَفِي أَيْدِيهمْ أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ فَهِيَ لَهُمْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ لَيْسَ بَيْنَ النَّاس اخْتِلَافٌ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا يَتَنَزَّلُ عَلَى الْقَوْلِ بِالْمِلْكِ فَإِنْ قِيلَ لَا يَمْلِكُونَهَا فَهِيَ لِرَبِّهَا وَمَتَى وَجَدَهَا وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ وَنَفَى صَاحِبُ الْمُغْنِي الْخِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ فِي الْمَسْأَلَةِ فَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ أَبَا الْخَطَّابِ وَافَقَ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى الِانْتِصَارِ‏.‏

وَلَعَلَّ مَأْخَذَهُ أَنَّ الشَّارِعَ مَلَّكَ الْكَافِرَ بِإِسْلَامِهِ مَا فِي يَدِهِ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ‏:‏ «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٌ فَهُوَ لَهُ»‏.‏ فَهَذَا تَمْلِيكٌ جَدِيدٌ يَمْلِكُونَهَا بِهِ لَا بِالِاسْتِيلَاءِ الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ‏.‏

وَقَدْ قِيلَ إنَّ هَذَا يَرْجِعُ إلَى كُلِّ مَا قَبَضَهُ الْكَافِرُ مِنْ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا قَبْضًا فَاسِدًا يَعْتَقِدُونَ جَوَازَهُ فَإِنَّهُ يَسْتَقِرُّ لَهُمْ بِالْإِسْلَامِ كَالْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ وَالْأَنْكِحَةِ وَالْمَوَارِيثِ وَغَيْرِهَا وَلِهَذَا لَا يَضْمَنُونَ مَا أَتْلَفُوهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ بِالْإِجْمَاعِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ كَانَ لِمُسْلِمٍ أَمَتَانِ أُخْتَانِ فَأَبِقَتْ إحْدَاهُمَا إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا فَلَهُ وَطْءُ الْبَاقِيَةِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ زَالَ عَنْ أُخْتِهَا، وَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ لَا يَجُوزُ حَتَّى يُحَرِّمَ الْآبِقَةَ بِعِتْقٍ أَوْ نَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ وَطْءِ إحْدَى الْأُخْتَيْنِ ابْتِدَاءً قَبْلَ تَحْرِيمِ الْأُخْرَى‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ اسْتَوْلَى الْعَدُوُّ عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ بَعْدَ حَوْلٍ أَوْ أَحْوَالٍ فَإِنْ قُلْنَا‏:‏ مَلَكُوهُ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ لَمَا مَضَى مِنْ الْمُدَّة بِغَيْرِ خِلَافٍ وَإِنْ قُلْنَا لَمْ يَمْلِكُوهُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ زَكَاتُهُ لَمَا مَضَى‏؟‏ عَلَى رِوَايَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى زَكَاةِ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ وَالضَّائِعِ مِنْ رَبِّهِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ أَعْتَقَ الْمُسْلِمُ عَبْدَهُ الَّذِي اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْكُفَّارُ فَإِنْ قُلْنَا‏:‏ مَلَكُوهُ، لَمْ يُعْتَقْ وَإِلَّا عَتَقَ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ سَبَى الْكُفَّارُ أَمَةً مُزَوَّجَةً بِمُسْلِمٍ فَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُونَهَا فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ رَقَبَتَهَا وَمَنَافِعَهَا فَيَدْخُلُ فِيهِ مَنْفَعَةُ بُضْعِهَا فَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ زَوْجِهَا كَمَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْكَافِرَةِ الْمَسْبِيَّة لِسَبْيِنَا لَهَا لِهَذَا الْمَعْنَى‏.‏

وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ عَلَّلَ انْفِسَاخَ الْكَافِرَةِ الْمَسْبِيَّةِ بِالْجَهْلِ بِبَقَاءِ زَوْجِهَا فَيَكُونُ كَالْمَعْدُومِ وَعَلَى هَذَا يَمْتَنِعُ انْفِسَاخُ النِّكَاحِ هَاهُنَا وَأَبُو الْخَطَّابِ مَنَعَ مِنْ انْفِسَاخِ النِّكَاحِ بِالسَّبْيِ بِكُلِّ حَالٍ وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ وَمُخَالِفُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ‏.‏

وَالْعَيْنُ الْمُؤَجَّرَةُ كَالْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ سَوَاءٌ فَأَمَّا الزَّوْجَةُ الْحُرَّةُ فَلَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِسَبَبِهَا لِأَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ الْحُرَّةَ بِالسَّبْيِ فَلَا يَمْلِكُونَ بُضْعَهَا وَفِي مَسَائِلِ ابْنِ هَانِئٍ عَنْ أَحْمَدَ إذَا سُبِيَتْ الْمَرْأَةُ وَلَهَا زَوْجٌ ثُمَّ اُسْتُنْقِذَتْ تَعُودُ إلَى زَوْجِهَا إنْ شَاءَتْ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى انْفِسَاخِ النِّكَاحِ بِالسَّبْيِ وَوَجْهُهُ أَنَّ مَنَافِعَ الْحُرَّةِ فِي حُكْمِ الْأَمْوَالِ وَلِهَذَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ عَلَى رَأْي فَجَازَ أَنْ تُمْلَكَ بِالِاسْتِيلَادِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَلَاسِيَّمَا وَالِاسْتِيلَاءُ سَبَبٌ قَوِيٌّ يَمْلِكُ بِهِ مَا لَا يَمْلِكُ بِالْعُقُودِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَلِهَذَا يَمْلِكُونَ بِهِ الْمَصَاحِفَ وَالرَّقِيقَ الْمُسْلِمَ وَيَمْلِكُونَ بِهِ كَأُمِّ الْوَلَدِ عَلَى رِوَايَةٍ فَجَازَ أَنْ يَمْلِكُوا بِهِ مَنْفَعَةَ بُضْعِ الْحُرَّةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إبَاحَةُ وَطْئِهَا لَهُمْ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُمْ فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُبَاحُ لَهُمْ وَإِنْ قِيلَ‏:‏ إنَّهُمْ يَمْلِكُونَهَا وَعَلَى هَذَا فَلَوْ سَبَوْا أَجِيرًا مُسْتَأْجَرًا لِمُسْلِمٍ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ أَيْضًا‏.‏

وَقَدْ تَأَوَّلَ الْآمِدِيُّ قَوْلَ أَحْمَدَ‏:‏ تَرْجِعُ إلَيْهِ إنْ شَاءَتْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ إنْ شَاءَتْ تَرْجِعُ إلَيْهِ فِي الْعِدَّةِ مِنْ وَطْءِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَإِنْ شَاءَتْ اعْتَدَّتْ فِي مَوْضِعٍ آخِر؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لَيْسَتْ بِحَقٍّ لَهُ وَإِنَّمَا هِيَ حَقٌّ عَلَيْهَا لَزِمَهَا فِي غَيْرِ جِهَتِهِ وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا التَّأْوِيلِ مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ وَأَنَّ كَلَامَهُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ اسْتَوْلَى الْكُفَّارُ عَلَى مُدَبَّرٍ لِمُسْلِمٍ ثُمَّ عَادَ إلَى سَيِّدِهِ فَهَلْ يَبْطُلُ تَدْبِيرُهُ‏؟‏ إنْ قُلْنَا‏:‏ إنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوهُ لَمْ يَبْطُلْ وَإِنْ قُلْنَا مَلَكُوهُ انْبَنَى عَلَى أَنَّ الْمُدَبَّرَ إذَا زَالَ الْمِلْكُ فِيهِ فَهَلْ يَبْطُلُ التَّدْبِيرُ أَمْ لَا‏؟‏ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَجَزَمَ ابْنُ أَبِي مُوسَى بِبُطْلَانِهِ هَاهُنَا فَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَلَا تَبْطُلُ كِتَابَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَيَبْقَى عَلَى كِتَابَتِهِ وَكَذَلِكَ الْمَرْهُونُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ فِيهِ بِالْإِرْثِ وَغَيْرِهِ وَالرَّهْنَ بَاقٍ‏.‏

‏(‏سُؤَالٌ‏)‏ عِنْدَكُمْ الْكَافِرُ لَا يَمْلِكُ انْتِزَاعَ مِلْكِ الْمُسْلِمِ بِالشُّفْعَةِ قَهْرًا مَعَ أَنَّهَا مَعْلُومَةٌ فَكَيْفَ يَمْلِكُ عَلَيْهِ قَهْرًا بِغَيْرِ عِوَضٍ‏.‏

‏(‏الْجَوَابُ‏)‏ عَنْهُ أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَمْلِكُونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ، عَلَى الْمَنْصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ بَلْ بِالْحِيَازَةِ إلَى دَارِهِمْ فَعَلَى هَذَا لَا يَثْبُتُ لَهُمْ تَمَلُّكٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الْمُخَرَّجَةِ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ فَالْمُسْتَوْلَى عَلَيْهِ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَقَارًا فَلَا يُتَصَوَّرُ اسْتِيلَاؤُهُمْ عَلَيْهِ إلَّا بِمَصِيرِ الدَّارِ دَارَ حَرْبٍ فَلَا مِلْكَ لَهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَيْضًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْقُولًا فَالْمَنْقُولُ يُخَالِفُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْعَقَارِ؛ لِأَنَّ الْعَقَارَ يَخْتَصُّ بِدَارِ الْإِسْلَامِ وَالْكَافِرَ مُلْتَجِئ إلَيْهَا وَمُسْتَذَمٌّ وَمُتَحَصِّنٌ بِهَا وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا بِالْأَصَالَةِ فَهُوَ كَالْمُسْتَأْجِرِ مَعَ الْمَالِكِينَ وَلِهَذَا يُمْنَعُ الْكَافِرُ مِنْ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عَلَى قَوْلٍ مَعَ أَنَّهُ زِيَادَةُ عِمَارَةٍ وَلَيْسَ الْمَوَاتُ مِلْكًا لِمُعَيَّنٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَكَيْفَ يُمَكَّنُ مِنْ انْتِزَاعِ مِلْكِ الْمُسْلِمِ الْمُعَيَّنِ وَإِذَا كَانَ الْمُسْلِمُ يُبَاحُ لَهُ مُزَاحَمَةُ الْكَافِرِ فِيمَا ثَبَتَ لَهُ فِيهِ حَقُّ رَغْبَةٍ، وَإِبْطَالُ حَقِّهِ مِنْهُ بَعْدَ سَبْقِهِ إلَيْهِ بِالْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَتِهِ وَالسَّوْمِ عَلَى سَوْمِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ اسْتِدْلَالًا بِالْحَدِيثِ فَكَيْفَ يُمَكَّنُ مِنْ نَقْصِ مِلْكِ الْمُسْلِمِ وَانْتِزَاعِهِ مِنْهُ قَهْرًا بَعْدَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ‏؟‏ هَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ‏:‏ «وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُمْ إلَى أَضْيَقِهِ» مَعَ أَنِّي لَمْ أَرَ أَحَدًا اسْتَدَلَّ بِهِ وَقَدْ اسْتَدَلَّ أَحْمَدُ بِحَدِيثِ الطَّرِيقِ وَبِالْأَمْرِ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ‏.‏

‏[‏الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ‏:‏‏]‏ الْغَنِيمَةُ هَلْ تُمْلَكُ بِالِاسْتِيلَاءِ الْمُجَرَّدِ أَمْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ نِيَّةِ التَّمْلِيكِ‏؟‏

الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ أَنَّهَا تُمْلَكُ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ وَإِزَالَةِ أَيْدِي الْكُفَّارِ عَنْهَا وَهَلْ يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ فِعْلُ الْحِيَازَةِ كَالْمُبَاحَاتِ أَمْ لَا قَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ لَا يُمْلَكُ بِدُونِ احْتِيَازِ الْمِلْكِ وَتَرَدَّدَ فِي الْمِلْكِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ هَلْ هُوَ بَاقٍ لِلْكُفَّارِ أَوْ أَنَّ مِلْكَهُمْ انْقَطَعَ عَنْهَا‏؟‏ وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْخِلَافِ فَوَائِدُ عَدِيدَةٌ‏.‏

‏(‏مِنْهَا‏)‏‏:‏ جَرَيَانُهُ فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ فَإِنْ كَانَتْ الْغَنِيمَةُ أَجْنَاسًا لَمْ يَنْعَقِدْ عَلَيْهَا حَوْلٌ بِدُونِ الْقِسْمَةِ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ لَمْ يَسْتَقِرَّ فِي جِنْسٍ مُعَيَّنٍ وَإِنْ كَانَتْ جِنْسًا وَاحِدًا فَوَجْهَانِ‏:‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ يَنْعَقِدُ الْحَوْلُ عَلَيْهِمَا بِالِاسْتِيلَاءِ بِنَاءً عَلَى حُصُولِ الْمِلْكِ بِهِ قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ لَا يَنْعَقِدُ بِدُونِ الْقِسْمَةِ، قَالَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَحَكَاهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَبَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ فِيهَا بِدُونِ اخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ لَفْظًا وَهَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ يَقُولُ بِنُفُوذِ الْعِتْقِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَانْعَقَدَ الْحَوْلُ عَلَيْهَا بِاحْتِيَازِ التَّمَلُّكِ دُونَ الْقِسْمَةِ إذْ الْقِسْمَةُ مُجَرَّدُهَا يُفِيدُ الْمِلْكَ عِنْدَ الْقَاضِي وَإِنَّمَا مَأْخَذُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْغَانِمِينَ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الشَّرِكَةِ الْمَحْضَةِ وَلِذَلِكَ لَا يَتَعَيَّنُ حَقُّ أَحَدِهِمْ مِنْهَا بِدُونِ حُصُولِهِ لَهُ بِالْقِسْمَةِ فَلَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهَا الْحَوْلُ قَبْلَهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ أَصْنَافًا‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ أَعْتَقَ أَحَدُ الْغَانِمِينَ رَقِيقًا مِنْ الْغَنَمِ بَعْدَ ثُبُوتِ رِقِّهِ أَوْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ عَتَقَ وَإِنْ كَانَ بِقَدْرِ حَقِّهِ وَإِنْ كَانَ حَقُّهُ دُونَهُ فَهُوَ كَمَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا مِنْ عَبْدٍ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيّ وَابْنِ الْحَكَمِ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَقَالَ فِي الْخِلَافِ لَا يَعْتِقُ حَتَّى يَسْبِقَ تَمَلُّكَهُ لَفْظًا، وَوَافَقَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ وَلَكِنَّهُ أَثْبَتَ الْمِلْكَ بِمُجَرَّدِ قَصْدِ التَّمَلُّكِ وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ الْمَنْصُوصَ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْغَنِيمَةُ جِنْسًا وَاحِدًا، وَقَوْلَ الْقَاضِي فِيمَا إذَا كَانَتْ أَجْنَاسًا كَمَا سَبَقَ فِي الزَّكَاةِ وَفِي الْإِرْشَادِ لِابْنِ أَبِي مُوسَى إنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً مُعَيَّنَةً قَبْلَ الْقِسْمَةِ لَمْ يَعْتِقْ فَإِنْ حَصَلَتْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْقِسْمَةِ عَتَقَتْ قَالَ وَإِنْ كَانَ فِي السَّبْيِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ عَتَقَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ وَإِلَّا عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ فَكَأَنَّهُ جَعَلَهُ عِتْقًا قَهْرِيًّا كَالْإِرْثِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِتْقِ الِاخْتِيَارِيِّ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ اسْتَوْلَدَ أَحَدُ الْغَانِمِينَ جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَيَضْمَنُ لِبَقِيَّةِ الْغَانِمِينَ حُقُوقَهُمْ مِنْهَا وَقَالَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ لَا تَصِيرُ مُسْتَوْلَدَةً لَهُ وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ حَقُّهُ فِيهَا؛ لِأَنَّ حَمْلَهَا بِحُرٍّ يَمْنَعَ بَيْعَهَا وَفِي تَأْخِيرِ قِسْمَتِهَا حَتَّى تَضَعَ ضَرَرٌ عَلَى أَهْلِ الْغَنِيمَةِ فَوَجَبَ تَسْلِيمُهَا إلَيْهِ مِنْ حَقِّهِ وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا‏.‏

وَلِأَبِي الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ طَرِيقَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّهُ إنَّمَا نَفَذَ اسْتِيلَادُهَا لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يَنْفُذْ إعْتَاقُهَا كَمَا يَنْفُذُ اسْتِيلَادُ الِابْنِ فِي أَمَةِ أَبِيهِ دُونَ إعْتَاقِهَا وَهُوَ أَيْضًا ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَحَكَى فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ احْتِمَالًا آخَرَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْغَنِيمَةُ جِنْسًا وَاحِدًا أَوْ أَجْنَاسًا كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْعِتْقِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ أَتْلَفَ أَحَدُ الْغَانِمِينَ شَيْئًا مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَإِنْ قُلْنَا الْمِلْكُ ثَابِتٌ فِيهَا فَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَصِيبِ شُرَكَائِهِ خَاصَّةً، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الِاسْتِيلَادِ وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ الْمِلْكُ فِيهَا فَعَلَيْهِ ضَمَانُ جَمِيعهَا‏.‏

‏(‏مِنْهَا‏)‏ لَوْ أَسْقَطَ الْغَانِمُ حَقَّهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَفِيهِ طَرِيقَانِ‏:‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُونَهَا لَمْ يَسْقُطْ الْحَقُّ بِذَلِكَ وَإِلَّا سَقَطَ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ يَسْقُطُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ لِضَعْفِ الْمِلْكِ وَعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَالتَّرْغِيبِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَالِاحْتِيَازِ فَالْمَنْصُوصُ أَنَّ حَقَّهُ يَنْتَقِلُ إلَى وَرَثَتِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي أَنَّهُ وَافَقَ عَلَى ذَلِكَ وَجَعَلَ الْمَوْرُوثَ هُوَ الْحَقَّ دُونَ الْمَالِ وَفِي التَّرْغِيبِ إنْ قُلْنَا‏:‏ لَا يَمْلِكُ بِدُونِ الِاخْتِيَارِ فَمَنْ مَاتَ قَبْلَهُ فَلَا شَيْءٌ لَهُ وَلَا يُورَثُ عَنْهُ كَحَقِّ الشُّفْعَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ عَلَى هَذَا يَكْتَفِي بِالْمُطَالَبَةِ فِي مِيرَاثِ الْحَقِّ كَالشُّفْعَةِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ شَهِدَ أَحَدُ الْغَانِمِينَ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَغْنَمِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَإِنْ قُلْنَا قَدْ مَلَكُوهُ لَمْ يُقْبَلْ كَشَهَادَةِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ لِلْآخَرِ وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ لَمْ يَمْلِكُوا قُبِلَتْ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَفِي قَبُولِهَا نَظَرٌ، وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ لَمْ يَمْلِكُوا؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ تَجُرُّ نَفْعًا قُلْتُ هَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا وَطِئَ أَحَدُ الْغَانِمِينَ جَارِيَةً مِنْ الْمَغْنَم وَذَكَرَ فِي مَسْأَلَةِ السَّرِقَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَالْغَنِيمَةِ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ شَهَادَةَ أَحَدِ الْغَانِمِينَ بِمَالٍ مُطْلَقًا وَهُوَ الْأَظْهَرُ‏.‏

‏[‏التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ‏]‏ الْقِسْمَةُ هَلْ هِيَ إفْرَازٌ أَوْ بَيْعٌ‏؟‏

الْمَذْهَبُ أَنَّ قِسْمَةَ الْإِجْبَارِ وَهِيَ مَا لَا يَحْصُلُ فِيهِ رَدُّ عِوَضٍ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ إفْرَازٌ لَا بَيْعٌ وَذَهَبَ ابْنُ بَطَّةَ إلَى أَنَّهَا كَالْبَيْعِ فِي أَحْكَامِهِ وَحَكَى الْآمِدِيّ رِوَايَتَيْنِ قَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ‏:‏ الَّذِي يَتَحَرَّرُ عِنْدِي فِيمَا فِيهِ رَدُّ أَنَّهُ بَيْعٌ فِيمَا يُقَابِلُ الرَّدَّ، وَإِفْرَازٌ فِي الْبَاقِي لِأَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا فِي قِسْمَةِ الطَّلْقِ عَنْ الْوَقْفِ إذَا كَانَ فِيهَا رَدٌّ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ الْوَقْفِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَرِي بِهِ الطَّلْقَ وَإِنْ كَانَ فِي جِهَةِ صَاحِبِ الطَّلْقِ لَمْ يَجُزْ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي كَوْنِهَا إفْرَازًا أَوْ بَيْعًا فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ‏:‏

‏(‏مِنْهَا‏)‏ لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَاشِيَةٌ مُشْتَرَكَةٌ فَاقْتَسَمَاهَا فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ وَاسْتَدَامَا خُلْطَةَ الْأَوْصَافِ فَإِنْ قُلْنَا‏:‏ الْقِسْمَةُ إفْرَازٌ لَمْ يَنْقَطِعْ الْحَوْلُ بِغَيْرِ خِلَافٍ وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ بَيْعٌ خُرِّجَ عَلَى بَيْعِ الْمَاشِيَةِ بِجِنْسِهَا فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ هَلْ يَقْطَعُهُ أَمْ لَا‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ إذَا تَقَاسَمَا وَصَرَّحَا بِالتَّرَاضِي وَاقْتَصَرَا عَلَى ذَلِكَ فَهَلْ يَصِحُّ إنْ قُلْنَا‏:‏ هِيَ إفْرَازٌ صَحَّتْ وَإِنْ قُلْنَا بَيْعٌ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ التَّرْغِيبِ وَكَأَنَّ مَأْخَذَهُمَا الْخِلَافُ فِي اشْتِرَاطُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهَا تَصِحُّ بِلَفْظِ الْقِسْمَةِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَصِحَّ مِنْ الرِّوَايَةِ الَّتِي سَعَيْت فِي التَّلْخِيصِ بِاشْتِرَاطِ لَفْظِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي الْبَيْعِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ تَقَاسَمُوا ثَمَرَ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ عَلَى الشَّجَرِ أَوْ الزَّرْعِ الْمُشْتَمِل فِي سُنْبُلِهِ خَرْصًا أَوْ الرِّبَوِيَّاتِ عَلَى مَا يَخْتَارُونَ مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ فَإِنْ قُلْنَا هِيَ إفْرَازٌ جَازَ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ فِي جَوَازِ الْقِسْمَةِ بِالْخَرْصِ وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ بَيْعٌ لَمْ يَصِحَّ وَفِي التَّرْغِيبِ إشَارَةٌ إلَى خِلَافٍ فِي الْجَوَازِ مَعَ الْقَوْلِ بِالْإِفْرَازِ وَكَذَلِكَ لَوْ تَقَاسَمُوا الثَّمَرَ عَلَى الشَّجَرِ قَبْلَ صَلَاحِهِ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ فَيَجُوزُ عَلَى الْقَوْلِ بِالْإِفْرَازِ دُونَ الْبَيْعِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ كَانَ بَعْضُ الْعَقَارِ وَقْفًا وَبَعْضُهُ طَلْقًا وَطَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ جَازَتْ إنْ قُلْنَا‏:‏ هِيَ إفْرَازٌ وَإِنْ قُلْنَا بَيْعٌ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لِلْوَقْفِ فَأَمَّا إنْ كَانَ الْكُلُّ وَقْفًا فَهَلْ يَجُوزُ قِسْمَتُهُ‏؟‏ فِيهِ طَرِيقَانِ‏:‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ أَنَّهُ كَإِفْرَازِ الطَّلْقِ مِنْ الْوَقْفِ سَوَاءٌ وَهُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قِسْمَتُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا عَلَى الْأَصَحِّ وَهِيَ طَرِيقَةُ التَّرْغِيبِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ فَهُوَ مُخْتَصٌّ بِمَا إذَا كَانَ وَقْفًا عَلَى جِهَتَيْنِ لَا عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ نَقَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ قِسْمَةُ الْمَرْهُونِ كُلِّهِ أَوْ نِصْفِهِ مُشَاعًا إنْ قُلْنَا هِيَ إفْرَازُ صَحَّتْ وَإِنْ قُلْنَا بَيْعٌ لَمْ تَصِحَّ وَلَوْ اسْتَقَرَّ بِهَا الْمُرْتَهِنُ فَإِنْ رَهَنَهُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ حِصَّتَهُ مِنْ حَقٍّ مُعَيَّنٍ مِنْ دَارٍ ثُمَّ اقْتَسَمَا فَحَصَلَ الْبَيْتُ فِي حِصَّةِ شَرِيكِهِ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ عَلَى الْقَوْلِ بِالْإِفْرَازِ قَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي يُمْنَعُ مِنْهُ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ إذَا اقْتَسَمَا أَرْضًا فَبَنَى أَحَدُهُمَا فِي نَصِيبِهِ وَغَرَسَ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ الْأَرْضُ يُقْلَعُ غَرْسُهُ وَبِنَاؤُهُ، فَإِنْ قُلْنَا‏:‏ هِيَ إفْرَازٌ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى شَرِيكِهِ وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ بَيْعٌ رَجَعَ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْقَبْضِ إذَا كَانَ عَالِمًا بِالْحَالِ دُونَهُ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَجَزَمَ الْقَاضِي بِالرُّجُوعِ عَلَيْهِ مَعَ قَوْلِهِ‏:‏ إنَّ الْقِسْمَةَ إفْرَازٌ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ ثُبُوتُ الْخِيَارِ فِيهَا وَفِيهِ طَرِيقَانِ‏:‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ يَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ وَإِنْ قُلْنَا إفْرَازٌ لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا خِيَارٌ وَإِنْ قُلْنَا بَيْعٌ ثَبَتَ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْفُصُولِ وَالتَّلْخِيصِ وَفِيهِ مَا يُوهِمُ اخْتِصَاصَ الْخِلَافِ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ فَأَمَّا خِيَارُ الْمَجْلِسِ فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ يَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَخِيَارُ الشَّرْطِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ قَالَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ ذَلِكَ جَعَلَ للارتياء فِيمَا فِيهِ الْحَظّ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الْقِسْمَةِ‏.‏

وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ قِسْمَةَ التَّرَاضِي إفْرَازٌ؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ الْإِجْبَارِ لَا مَعْنَى لِثُبُوتِ الْخِيَارِ فِيهَا إذْ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ يَمْلِكُ الْإِجْبَارَ فَلَا يَقَعُ ثُبُوتُ الْخِيَارِ فِي فَسْخِهَا وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّهُ حَيْثُ وَجَبَتْ الْقِسْمَةُ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ لَازِمَةً؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَوْ فَسَخَهَا كَانَ لِلْآخَرِ مُطَالَبَتُهُ بِإِعَادَتِهَا فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى أَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ قَدْ يَتَصَرَّفُ فِيمَا حَصَلَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ فَإِذَا انْقَضَتْ الْقِسْمَةُ تَقَرَّرَ بِذَلِكَ وَلَمْ يَحْصُلُ لَهُ الِانْتِفَاعُ وَلَاسِيَّمَا إنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْ شَرِيكِهِ مُضَارَّةً‏.‏

قُلْت وَيَشْهَدُ لِهَذَا مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ فِي الْمَعْنَيَيْنِ بِالنَّفَقَةِ فَإِذَا طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ رَجْعِيًّا ثُمَّ ارْتَجَعَ مِنْ غَيْرِ يَسَارٍ تَحَدَّدَ لَهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ رَجَعْتُهُ لَمَا فِيهِ مِنْ إعَادَةِ الضَّرَرِ الَّذِي أَزَلْنَاهُ بِالطَّلَاقِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي‏:‏ لَهُ الرَّجْعَةُ فَإِذَا ارْتَجَعَ عَادَتْ الْمُطَالَبَةُ لَهُ فَإِنْ طَلَّقَ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ وَأَخَذَهُ ابْنُ عَقِيلٍ مِنْ الْمُولِي عَلَيْهِ إذَا طَلَّقَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ بَعْدَ طَلَبِ الْفَيْئَةِ طَلَاقًا رَجْعِيًّا فَإِنْ لَهُ رَجْعَتَهَا وَيُطَالِبُ بِالْفَيْئَةِ ثَانِيًا وَالْقَاضِي يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ رَجْعَةَ الْمُوَلَّى أَقْرَبُ إلَى حُصُولِ مَقْصُودِ الْمَرْأَةِ مِنْ الْفَيْئَةِ مِنْ حَالِ الْعِدَّةِ الْجَارِيَةِ إلَى الْبَيْنُونَةِ بِخِلَافِ رَجْعَةِ الْمُعْسِرِ وَلَكِنْ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَقِيلٍ التَّمْكِينُ مِنْ فَسْخِ قِسْمَةِ الْإِجْبَارِ هُنَا؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ فِي الطَّلَاقِ لَا يَتَأَبَّدُ؛ لِأَنَّهُ مَحْدُودٌ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ بِخِلَافِ ضَرَرِ الْفَسْخِ هُنَا فَإِنَّهُ يَكُونُ لَا نِهَايَةَ لَهُ وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ الْمُوَلَّى إذَا طَلَّقَ لَمْ يَكُنْ مِنْ الرَّجْعَةِ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَفِيءَ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الرَّجْعَةِ إنَّمَا أَبَاحَهَا اللَّهُ لِمَنْ أَرَادَ الْإِصْلَاحَ فَكَيْفَ بِالْمُوَلِّي الَّذِي يُظْهِرُ قَصْدَ الْإِضْرَارِ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ الرَّجْعَةِ بِدُونِ شَرْطِ الْفَيْئَةِ؛ لِأَنَّ ارْتِجَاعَهُ زِيَادَةٌ فِي الْإِضْرَارِ وَذَكَرَ فِي الْكَافِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُمَا إنْ اقْتَسَمَا بِأَنْفُسِهِمَا لَمْ يَلْزَمْ الْقِسْمَةُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا وَتَفَرُّقِهِمَا كَالْبَيْعِ وَإِنْ قَسَمَ بَيْنَهُمَا الْحَاكِمُ أَوْ قَسَمَهُ عَدْلٌ عَالِمٌ نَصَّفَاهُ بَيْنَهُمَا لَزِمَتْ قِسْمَتُهُ بِغَيْرِ رِضَاهُمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا رَدٌّ فَوَجْهَانِ، نَظَرًا إلَى أَنَّهَا بَيْعٌ فَيَقِفُ عَلَى الرِّضَاءِ وَإِلَى أَنَّ الْمُقَاسِمَ كَالْحَاكِمِ وَقُرْعَتُهُ كَحُكْمِهِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ فِيهَا وَفِيهِ طَرِيقَانِ‏:‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ بِنَاؤُهُ عَلَى الْخِلَافِ فَإِنْ قُلْنَا إفْرَازٌ لَمْ يَثْبُتْ وَإِلَّا ثَبَتَ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ فِي بَابِ الرِّبَا‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ لَا يُوجِبُ الشُّفْعَةَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ قَالَهُ الْقَاضِي وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لَثَبَتَ الْآخَرُ عَلَيْهِ فَيَتَنَامَيَانِ وَمِنْهُمَا قِسْمَةُ الْمُتَشَارِكَيْنِ فِي الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيّ اللَّحْمَ، فَإِنْ قُلْنَا‏:‏ إفْرَازٌ جَازَتْ وَإِنْ قُلْنَا بَيْعٌ لَمْ يَجُزْ وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ فَقَاسَمَ فَإِنْ قُلْنَا الْقِسْمَةُ بَيْعٌ حَنِثَ وَإِلَّا فَلَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ وَقَدْ يُقَالُ الْأَيْمَانُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْعُرْفِ وَلَا تُسَمَّى الْقِسْمَةُ بَيْعًا فِي الْعُرْفِ فَلَا يَحْنَثُ بِهَا وَلَا بِالْحَوَالَةِ وَلَا بِالْإِقَالَةِ وَإِنْ قِيلَ هِيَ بُيُوعٌ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ اقْتَسَمَ الْوَرَثَةُ الْعَقَارَ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ أَوْ وَصِيَّةٌ فَإِنْ قُلْنَا هِيَ إفْرَازٌ فَالْقِسْمَةُ بَاقِيَةٌ عَلَى الصِّحَّةِ وَإِنْ قُلْنَا بَيْعٌ فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي بَيْعِ التَّرِكَةِ الْمُسْتَغْرَقَةِ بِالدَّيْنِ وَقَدْ سَبَقَ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ ظَهَرَ فِي الْقِسْمَةِ غَبْنٌ فَاحِشٌ فَإِنْ قُلْنَا هِيَ إفْرَازٌ لَمْ يَصِحَّ لِتَبَيُّنِ فَسَادِ الْإِفْرَازِ، وَإِنْ قُلْنَا‏:‏ بَيْعٌ صَحَّتْ وَثَبَتَ فِيهَا خِيَارُ الْغَبْنِ ذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ وَالْبُلْغَةِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ اقْتَسَمَا دَارًا نِصْفَيْنِ ظَهَرَ بَعْضُهَا مُسْتَحَقًّا فَإِنْ قُلْنَا الْقِسْمَةُ إفْرَازٌ انْتَقَضَتْ الْقِسْمَةُ لِفَسَادِ الْإِفْرَازِ وَإِنْ قُلْنَا بَيْعٌ لَمْ يُنْتَقَضْ وَيَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ بِقَدْرِ حَقِّهِ فِي الْمُسْتَحَقِّ كَمَا إذَا قُلْنَا بِذَلِكَ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى دَارًا فَبَانَ بَعْضُهَا مُسْتَحَقًّا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ وَفِي الْمُحَرَّرِ إنْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ مُعَيَّنًا وَهُوَ فِي الْحِصَّتَيْنِ فَالْقِسْمَةُ بِحَالِهَا وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا وَذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَافِي احْتِمَالًا بِالْبُطْلَانِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ إذَا قُلْنَا هِيَ بَيْعٌ وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ مُعَيَّنًا فِي إحْدَى الْحِصَّتَيْنِ أَوْ شَائِعًا فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ فِي الْمُحَرَّرِ أَحَدُهَا تَبْطُلُ‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ لَا تَبْطُلُ، وَالثَّالِثُ تَبْطُلُ بِالْإِشَاعَةِ فِي أَحَدَيْهِمَا خَاصَّةً، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي وَالْأَوَّلُ اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ مَعَ قَوْلِهِمَا بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ قَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ‏:‏ وَالْوَجْهَانِ الْأَوَّلَانِ فَرْعٌ عَلَى قَوْلِنَا بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الْمَبِيعِ فَأَمَّا إنْ قُلْنَا‏:‏ لَا تَفْرِيقَ هُنَاكَ بَطَلَتْ هَاهُنَا وَجْهًا وَاحِدًا وَفِي الْبُلْغَةِ إذَا ظَهَرَ بَعْضُ حِصَّةِ أَحَدِهِمَا مُسْتَحَقًّا انْتَقَضَتْ الْقِسْمَةُ وَإِنْ ظَهَرَتْ حِصَّتُهَا عَلَى اسْتِوَاءِ النِّسْبَةِ وَكَانَ مُعَيَّنًا لَمْ يُنْتَقَضْ وَإِذَا عَلَّلْنَا بِفَسَادِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ بِالْجَهَالَةِ، وَإِنْ عَلَّلْنَاهُ فَسَعَى عَلَى مَا لَا يَجُوزُ بَطَلَتْ وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ مَشَاعًا انْتَقَضَتْ الْقِسْمَةُ فِي الْجَمِيعِ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ إذَا مَاتَ رَجُلٌ وَزَوْجَتُهُ حَامِلٌ وَقُلْنَا‏:‏ لَهَا السُّكْنَى فَأَرَادَ الْوَرَثَةُ قِسْمَةَ الْمَسْكَنِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ بِهَا بِأَنْ يُعْلِمُوا الْحُدُودَ بِخَطٍّ أَوْ نَحْوِهِ بِغَيْرِ نَقْصٍ وَلَا بِنَاءٍ فَفِي الْمُغْنِي يَجُوزُ ذَلِكَ وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْقِسْمَةِ مَعَ أَنَّهُ قَالَ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَسْكَنِ فِي هَذِهِ الْحَالِ لِجَهَالَةِ مُدَّةِ الْحَمْلِ الْمُسْتَثْنَاةِ فِيهِ حُكْمًا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا يُغْتَفَرُ فِي الْقِسْمَةِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ مَتَى قُلْنَا‏:‏ الْقِسْمَةُ بَيْعٌ، وَإِنَّ بَيْعَ هَذَا الْمَسْكَنِ يَصِحُّ لَمْ تَصِحَّ الْقِسْمَةُ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ قِسْمَةُ الدَّيْنِ فِي ذِمَمِ الْغُرَمَاءِ فَإِنْ قُلْنَا الْقِسْمَةُ إفْرَازٌ صَحَّتْ وَإِنْ قُلْنَا بَيْعٌ لَمْ تَصِحَّ وَقَدْ حَكَى الْأَصْحَابُ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ وَهَذَا الْبِنَاءُ مُتَوَجَّهٌ عَلَى طَرِيقِهِ مَنْ طَرَدَ الْخِلَافَ فِي قِسْمَةِ التَّرَاضِي كَالشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ أَنَّهُ يَمِيلُ إلَى دُخُولِ الْإِجْبَارِ فِي قِسْمَةِ الدَّيْنِ عَلَى الْغُرَمَاءِ الْمُتَقَارِبِينَ فِي الْمَلَاءَةِ؛ لِأَنَّ الذِّمَمَ عِنْدَنَا تَتَكَافَأُ بِدَلِيلِ الْإِجْبَارِ عَلَى قَبُولِ الْحَوَالَةِ عَلَى الْمَلِيِّ وَخَصَّ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ الرِّوَايَتَيْنِ بِمَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ فِي ذِمَّتَيْنِ فَصَاعِدًا فَإِنْ كَانَ فِي ذِمَّةِ وَاحِدٍ لَمْ تَصِحَّ قِسْمَتُهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ وَيَشْهَدُ لِقَوْلِهِ أَنَّ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ قَالَ‏:‏ إذَا قَبَضَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ الدَّيْنِ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ اخْتَصَّ بِمَا قَبَضَهُ وَفَرَّقَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بَيْنَ الدَّيْنِ الثَّابِتِ بِعَقْدٍ فَيَخْتَصُّ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بِمَا قَبَضَهُ مِنْهُ وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنٍ وَبَيْنَ الثَّابِتِ بِإِرْثٍ وَنَحْوِهِ فَلَا يَخْتَصُّ‏.‏

وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ عَلَى الِاشْتِرَاكِ فِي ثَمَنِ الطَّعَامِ الْمُشْتَرَكِ وَنَصَّ فِي رِوَايَتِهِ عَلَى جَوَازِ الْقِسْمَةِ بِالتَّرَاضِي فِي الذِّمَّةِ الْوَاحِدَةِ وَسَلَكَ صَاحِبُ الْمُغْنِي فِي تَوْجِيهِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَةً ثَانِيَةً وَهِيَ أَنَّ قَبْضَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ الدَّيْنِ الْمُشْتَرَكِ هَلْ هُوَ قِسْمَةٌ لِلدَّيْنِ أَوْ تَعْيِينٌ لِحَقِّهِ بِالْأَخْذِ كَالْإِبْرَاءِ فَإِنْ قُلْنَا هُوَ قِسْمَةٌ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِالْقَبْضِ فَإِنْ أَذِنَ الشَّرِيكُ فِيهِ فَوَجْهَانِ‏:‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ يَصِحُّ وَيَنْفَرِدُ بِهِ الْقَابِضُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِشَرِيكِهِ وَقَدْ أَسْقَطَهُ‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ لَا يَصِحُّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّ حَقَّ الشَّرِيكِ فِي الذِّمَّةِ لَا فِي عَيْنِ الْمَالِ فَلَا يَنْفُذُ إذْنُهُ فِي قَبْضِ الْأَعْيَانِ‏.‏

وَفِيهِ ضَعْفٌ فَإِنْ الْأَعْيَانَ هِيَ مُتَعَلَّقُ حَقِّهِ وَكَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ حُقُوقُ غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ بِمَالِهِ، وَإِنْ قُلْنَا لَيْسَ الْقَبْضُ قِسْمَةً جَازَ؛ لِأَنَّ حَقَّ الشَّرِيكِ فِي الذِّمَّةِ وَلَا يَنْتَقِلُ إلَى الْعَيْنِ إلَّا بِقَبْضِ الْغَرِيمِ أَوْ وَكِيلِهِ فَقَبْضُ الشَّرِيكِ تَعَيَّنَ لِحَقِّهِ لَا غَيْرَ فَيَخْتَصُّ بِهِ دُونَ شَرِيكِهِ سَوَاءٌ كَانَ بِإِذْنِ الشَّرِيكِ أَوْ بِدُونِهِ‏.‏

وَكَذَلِكَ حَكَى صَاحِبُ الْمُغْنِي هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَذَكَرَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا وَقَدْ أَنْكَرَهَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَيَتَوَجَّهُ عِنْدِي فِي تَوْجِيهِ الرِّوَايَتَيْنِ طَرِيقَةٌ ثَالِثَةٌ وَهِيَ أَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ إذَا قَبَضَ مِنْ الدَّيْنِ فَإِنَّمَا قَبَضَ حَقَّهُ الْمُخْتَصَّ بِهِ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ الْقَبْضُ دُونَ شَرِيكِهِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي أَصْلِ الِاسْتِحْقَاقِ كَغُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ فَإِذَا قَبَضَ بِدُونِ إذْنِ شَرِيكِهِ فَهَلْ لِشَرِيكِهِ مُقَاسَمَتُهُ فِيمَا قَبَضَهُ أَمْ لَا‏؟‏ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فَوَجْهُ الْمُحَاصَّةِ الْقِيَاسُ عَلَى قَبْضِ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ مِنْ الْأَعْيَانِ الْمُشْتَرَكَةِ بِدُونِ قِسْمَةٍ كَالْمَوَارِيثِ أَوْ مِنْ الْأَعْيَانِ الْمُتَعَلِّقِ بِهَا حُقُوقُهُمْ كَمَالِ الْمُفْلِسِ، وَوَجْهُ عَدَمِ الْمُحَاصَّةِ أَنَّ الْمَقْبُوضَ مِنْ الدَّيْنِ كُلِّهِ حَقٌّ لِلْقَابِضِ وَلِهَذَا لَوْ أُتْلِفَ فِي يَدِهِ كَانَ مِنْ نَصِيبِهِ وَلَمْ يَضْمَنْ لِشَرِيكِهِ شَيْئًا بِخِلَافِ الْقَبْضِ مِنْ الْأَعْيَانِ فَعَلَى هَذَا الرِّوَايَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْبِضَ بِإِذْنِ الشَّرِيكِ أَوْ بِدُونِهِ وَعَلَى الْأُولَى إنْ قَبَضَ بِإِذْنِهِ فَهَلْ لَهُ مُحَاصَّةٌ فِيهِ‏؟‏ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْمُحَاصَّةِ إنَّمَا ثَبَتَ بَعْدَ الْقَبْضِ فَهُوَ كَإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ يُقَالُ‏:‏ التَّرَاضِي بِقَبْضِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْضَ الدَّيْنِ قِسْمَةً لَهُ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِي الْأَعْيَانِ تَقَعُ فِي الْمُحَاسَبَةِ وَالْأَقْوَالِ فِي الْمَنْصُوصِ فَكَذَا فِي الدُّيُونِ وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُشْتَرَكُ بَعْضُهُ عَيْنًا وَبَعْضُهُ دَيْنًا فَأَخَذَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ الْعَيْنَ وَبَعْضُهُمْ الدَّيْنَ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ‏.‏

وَحَكَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ‏:‏ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْمِيرَاثِ وَخَرَّجَهُ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ بَيْعِ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ الْغَرِيمِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ عِنْدَهُ وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَدْ يَطَّرِدُ فِيهَا الْخِلَافُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ قَبَضَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ مِنْ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ الْمِثْلِيِّ مَعَ غَيْبَةِ الْآخَرِ وَامْتِنَاعِهِ مِنْ الْإِذْنِ بِدُونِ إذْنِ الْحَاكِمِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ سَبَقَ ذِكْرُهُمَا فِي الْقَوَاعِدِ وَالْوَجْهَانِ عَلَى قَوْلِنَا‏:‏ الْقِسْمَةُ إفْرَازٌ فَإِنْ قُلْنَا هِيَ بَيْعٌ لَمْ يَجُزْ وَجْهًا وَاحِدًا فَأَمَّا غَيْرُ الْمِثْلِيِّ فَلَا يُقْسَمُ إلَّا مَعَ الشَّرِيكِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ كَالْوَصِيِّ وَالْوَلِيِّ وَالْحَاكِمِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ اقْتَسَمَا دَارًا فَحَصَلَ الطَّرِيقُ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ مَنْفَذٌ يَتَطَرَّقُ مِنْهُ فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ تَبْطُلُ الْقِسْمَةُ وَخَرَّجَ صَاحِبُ الْمُغْنِي فِيهِ وَجْهًا آخِر أَنَّهَا تَصِحُّ وَيَشْتَرِكَانِ فِي الطَّرِيقِ مِنْ نَصِّ أَحْمَدَ عَلَى اشْتِرَاكِهِمَا فِي مَسِيلِ الْمَاءِ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ فِي الْقَوَاعِدِ وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ‏:‏ إنْ قُلْنَا الْقِسْمَةُ إفْرَازٌ بَطَلَتْ وَإِنْ قُلْنَا بَيْعٌ صَحَّتْ وَلَزِمَ الشَّرِيكَ تَمْكِينُهُ مِنْ الِاسْتِطْرَاقِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الْأَصْحَابِ‏:‏ إذَا بَاعَهُ بَيْتًا مِنْ وَسَطِ دَارِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ طَرِيقًا صَحَّ الْبَيْعُ وَاسْتُتْبِعَ طَرِيقُهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ لَوْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ الِاسْتِطْرَاقَ فِي الْقِسْمَةِ صَحَّ قَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ هَذَا قِيَاسُ مَذْهَبِنَا فِي جَوَازِ بَيْعِ الْمَمَرِّ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِمَّا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ فَاشْتَرَى زَيْدٌ وَعَمْرٌو طَعَامًا مَشَاعًا وَقُلْنَا يَحْنَثُ بِالْأَكْلِ مِنْهُ فَتَقَاسَمَاهُ ثُمَّ أَكَلَ الْحَالِفُ مِنْ نَصِيبِ عَمْرٍو فَذَكَرَ الْآمِدِيُّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ إفْرَازُ حَقٍّ لَا بَيْعٌ وَهَذَا لَا يَقْضِي أَنَّهُ يَحْنَثُ إذَا قُلْنَا هِيَ بَيْعٌ وَقَالَ الْقَاضِي قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَحْنَثُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ لَا تُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ زَيْدًا اشْتَرَاهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا بِأَكْلِ مَا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ وَلَوْ انْتَقَلَ الْمِلْكُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ وَفِي الْمَعْنَى احْتِمَالٌ‏:‏ لَا يَحْنَثُ هُنَا، وَعَلَيْهِ يَتَخَرَّج أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إذَا قُلْنَا الْقِسْمَةُ بَيْعٌ‏.‏

وَنَخْتِمُ هَذِهِ الْفَوَائِدَ بِذِكْرِ فَائِدَتَيْنِ بَلْ قَاعِدَتَيْنِ يَكْثُرُ ذِكْرُهُمَا فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَانْتَشَرَ فُرُوعُهُمَا انْتِشَارًا كَثِيرًا وَنَذْكُرُ ضَوَابِطهمَا وَأَقْسَامَهُمَا‏.‏

‏[‏الْعِشْرُونَ‏:‏‏]‏ الْفَائِدَةُ الْأُولَى‏:‏ التَّصَرُّفَاتُ لِلْغَيْرِ بِدُونِ إذْنِهِ هَلْ تَقِفُ عَلَى إجَازَتِهِ أَمْ لَا‏؟‏

وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِتَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ وَتَحْتهَا أَقْسَامٌ‏:‏

‏(‏الْقِسْمُ الْأَوَّلُ‏)‏ أَنْ تَدْعُوَ الْحَاجَةُ إلَى التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْغَيْرِ أَوْ حَقِّهِ وَيَتَعَذَّرُ اسْتِئْذَانُهُ إمَّا لِلْجَهْلِ بِعَيْنِهِ أَوْ لِغَيْبَتِهِ وَمَشَقَّةِ انْتِظَاره فَهَذَا التَّصَرُّفُ مُبَاحٌ جَائِزٌ مَوْقُوفٌ عَلَى الْإِجَازَةِ وَهُوَ فِي الْأَمْوَالِ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ وَغَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى إذْنِ حَاكِمٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِي الْإِبْضَاعِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ غَيْرَ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ جَوَازُهُ أَيْضًا وَفِي افْتِقَارِهِ إلَى الْحَاكِمِ خِلَافٌ، فَأَمَّا الْأَمْوَالُ فَكَالتَّصَرُّفِ بِاللُّقَطَةِ الَّتِي لَا تُمْلَكُ وَكَالتَّصْدِيقِ بِالْوَدَائِعِ وَالْغُصُوبِ الَّتِي لَا يُعْرَفُ رَبُّهَا أَوْ انْقَطَعَ خَبَرُهُ‏.‏

وَقَدْ سَبَقَ فِي الْقَوَاعِدِ اسْتِقْصَاءُ هَذَا النَّوْعِ وَيَكُونُ ذَلِكَ مَوْقُوفًا فَإِنْ أَجَازَهُ الْمَالِكُ وَقَعَ لَهُ أَجْرُهُ وَإِلَّا ضَمِنَهُ الْمُتَصَرِّفُ وَكَانَ أَجْرُهُ لَهُ صَرَّحَ بِهِ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَمَّا الْإِبْضَاعُ فَتَزْوِيجُ امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ إذَا كَانَتْ غَيْبَتُهُ ظَاهِرُهَا الْهَلَاكُ فَإِنَّ امْرَأَتَهُ تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ وَتُبَاحُ لِلْأَزْوَاجِ وَفِي تَوَقُّفِ ذَلِكَ عَلَى الْحَاكِمِ رِوَايَتَانِ‏.‏

وَاخْتُلِفَ فِي مَأْخَذِهِمَا فَقِيلَ؛ لِأَنَّ أَمَارَاتِ مَوْتِهِ طَاهِرَةٌ فَهُوَ كَالْمَيِّتِ حُكْمًا وَقِيلَ بَلْ لِأَنَّ انْتِظَارَهُ يَعْظُمُ بِهِ الضَّرَرُ عَلَى زَوْجَتِهِ فَيُبَاحُ لَهَا فَسْخُ نِكَاحِهِ كَمَا لَوْ ضَارَّهَا بِالْغَيْبَةِ وَامْتَنَعَ مِنْ الْقُدُومِ مَعَ الْمُرَاسَلَةِ وَعَلَى هَذَيْنِ الْمَأْخَذَيْنِ يَنْبَنِي أَنَّ الْفُرْقَةَ هَلْ تَبْطُلُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا أَوْ ظَاهِرًا فَقَطْ وَتَبْنِي الِاخْتِلَافُ فِي طَلَاقِ الْمُوَلَّى لَهَا وَلَهُ، مَأْخَذٌ ثَالِثٌ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَهُوَ أَنَّ الْحَاجَةَ دَعَتْ هُنَا إلَى التَّصَرُّفِ فِي حَقِّهِ مِنْ بُضْعِ الزَّوْجَةِ بِالْفَسْخِ عَلَيْهِ فَيَصِحُّ الْفَسْخُ وَيُزَوِّجُهَا بِغَيْرِهِ ابْتِدَاءً لِلْحَاجَةِ فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ فَالْأَمْرُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَإِنْ ظَهَرَ فَإِنْ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَتِهِ فَإِذَا قَدِمَ فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهُ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ‏.‏

وَالْقِسْمُ الثَّانِي‏:‏ أَنْ لَا تَدْعُوَ الْحَاجَةُ إلَى هَذَا التَّصَرُّفِ ابْتِدَاءً بَلْ إلَى صِحَّتِهِ وَتَنْفِيذِهِ بِأَنْ تَطُولَ مُدَّةُ التَّصَرُّفِ وَتَكْثُرَ وَيَتَعَدَّدَ اسْتِرْدَادُ أَعْيَانِ أَمْوَالِهِ فَالْأَصْحَابُ فِيهِ طَرِيقَانِ أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ الْآتِي ذِكْرُهُ‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ أَنَّهُ يُنْفِذُهَا هُنَا بِدُونِ إجَازَةٍ دَفْعًا لِضَرَرِ الْمَالِكِ بِتَفْوِيتِ الرِّبْحِ وَضَرَرِ الْمُشْتَرِي بِتَحْرِيمِ مَا قَبَضُوهُ بِهَذِهِ الْعُقُودِ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ فِي بَابِ الْمُضَارَبَةِ وَصَاحِبِ الْمُغْنِي فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ لَا تَدْعُوَ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ ابْتِدَاءً وَلَا دَوَامًا فَهَذَا الْقِسْمُ فِي بُطْلَانِ التَّصَرُّفِ فِيهِ مِنْ أَصْلِهِ وَوُقُوفِهِ عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ وَتَنْفِيذِهِ رِوَايَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ، وَاعْلَمْ أَنَّ لِتَصَرُّفِ الشَّخْصِ فِي مَالِ غَيْرِهِ حَالَتَانِ‏:‏

‏(‏إحْدَاهُمَا‏)‏ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ لِمَالِكِهِ فَهَذَا مَحَلُّ الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ نَائِبٌ فِي التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ بِالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَنَحْوهمَا‏.‏

وَأَمَّا فِي النِّكَاحِ فَلِلْأَصْحَابِ فِيهِ طَرِيقَانِ‏:‏ أَحَدُهُمَا إجْرَاؤُهُ عَلَى الْخِلَافِ وَهُوَ مَا قَالَ الْقَاضِي وَالْأَكْثَرُونَ وَالثَّانِي الْجَزْمُ بِبُطْلَانِهِ قَوْلًا وَاحِدًا وَهُوَ طَرِيقُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَعَلَى هَذَا لَوْ زَوَّجَ الْمَرْأَةَ أَجْنَبِيٌّ ثُمَّ أَجَازَ الْوَلِيُّ لَمْ يَنْفُذْ بِغَيْرِ خِلَافٍ كَمَا لَوْ زَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، نَعَمْ لَوْ زَوَّجَ غَيْرُ الْأَبِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الصَّغِيرَةَ بِدُونِ إذْنِهَا أَوْ زَوَّجَ الْوَلِيُّ الْكَبِيرَةَ بِدُونِ إذْنِهَا فَهَلْ يَبْطُلُ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ يَقِف عَلَى إجَازَتِهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ أَبِي مُوسَى‏.‏

‏(‏الْحَالَةُ الثَّانِيَة‏)‏‏:‏ أَنْ يَتَصَرَّفَ لِنَفْسِهِ وَهُوَ الْغَاصِبُ وَمَنْ يَتَمَلَّكُ مَالَ غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ فَيُجِيزُهُ لَهُ الْمَالِكُ فَأَمَّا الْغَاصِبُ فَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي جَمِيعِ تَصَرُّفَاتِهِ الْحُكْمِيَّةِ‏:‏ رِوَايَتَيْنِ‏:‏ إحْدَاهُمَا الْبُطْلَانُ وَالثَّانِيَةُ‏:‏ الصِّحَّةُ قَالَ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْعِبَادَاتُ كَالطَّهَارَةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالْعُقُودِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ وَعَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ بَعْدَهُ ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ هَذَا الْخِلَافَ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِالْوَقْفِ عَلَى الْإِجَازَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَهُ بِهَا كَالْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَصَاحِبِ الْمُغْنِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِهِمَا فَإِنْ أُرِيدَ بِالصِّحَّةِ مِنْ غَيْرِ وَقْفٍ عَلَى الْإِجَازَةِ وَوُقُوعِ التَّصَرُّفِ مِنْ الْمَالِكِ وَإِفَادَةِ ذَلِكَ لِلْمَالِكِ لَهُ فَهُوَ الطَّرِيقُ الثَّانِي فِي الْقِسْمِ الثَّانِي الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ وَإِنْ أُرِيدَ الْوُقُوع لِلْغَاصِبِ مِنْ غَيْرِ إجَازَةٍ فَفَاسِدٌ قَطْعًا فِي صُورَةِ شِرَائِهِ فِي الذِّمَّةِ إذَا نَفَذَ الْمَالُ مِنْ الْمَغْصُوبِ فَإِنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ لَهُ فِيهَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلُنَا‏:‏ إنْ الرِّبْحَ لِلْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ فَائِدَةُ مَالِهِ وَيَلْزَمُهُ فَيَخْتَصُّ بِهِ وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْمِلْكِ لِغَيْرِهِ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ‏.‏

وَمِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ فِي الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ لَوْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ عَنْ مَالِهِ مِنْ مَالٍ حَرَامٍ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَقَعُ بَاطِلًا وَحَكَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إنْ أَجَازَهُ الْمَالِكُ أَجْزَأَتْهُ وَإِلَّا فَلَا‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ تَصَدَّقَ الْغَاصِبُ بِالْمَالِ فَإِنَّهُ لَا تَقَعُ الصَّدَقَةُ لَهُ وَلَا يُثَابُ عَلَيْهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ»‏.‏ وَلَا يُثَابُ الْمَالِكُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا لِعَدَمِ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ وَنُقِلَ عَنْهُ وَنَقَلَ نَحْوَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ يُثَابُ الْمَالِكُ عَلَيْهِ وَرَجَّحَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا هَذَا الَّذِي تَوَلَّدَ مِنْ مَالٍ اكْتَسَبَهُ فَيُؤْجَرُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ كَمَا يُؤْجَرُ عَلَى الْمَصَائِبِ الَّتِي تُولِدُ لَهُ خَيْرًا وَعَلَى عَمَلِ وَلَدِهِ الصَّالِحِ وَعَلَى مَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ وَالدَّوَابُّ مِنْ زَرْعِهِ وَثِمَارِهِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ غَصَبَ شَاة فَذَبَحَهَا لِمُتْعَتِهِ أَوْ قِرَانِهِ مَثَلًا فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الذَّبْحِ لَمْ يَقَعْ قُرْبَةً مِنْ الِابْتِدَاءِ فَلَا يَنْقَلِبُ قُرْبَةً بَعْدَهُ كَمَا لَوْ ذَبَحَهَا لِلَحْمِهَا ثُمَّ نَوَى بِهَا الْمُتْعَةَ، وَحَكَى الْأَصْحَابُ رِوَايَةً مَوْقُوفَةً عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ كَالزَّكَاةِ وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا لِغَيْرِهِ فَلَا يُجْزِيهِ وَبَيْنَ أَنْ يَظُنَّهَا لِنَفْسِهِ فَتُجْزِيهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وسندي وَسَوَّى كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ بَيْنَهُمَا فِي حِكَايَةِ الْخِلَافِ وَلَا يَصِحُّ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ أَنْكَحَ الْأَمَةَ الْمَغْصُوبَةَ وَفِي وَقْفِهِ عَلَى الْإِجَازَةِ الْخِلَافُ، وَعَلَى طَرِيقَةِ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى هُوَ بَاطِلٌ قَوْلًا وَاحِدًا وَيَبْعُدُ هَاهُنَا الْقَوْلُ بِنُفُوذِهِ مُطْلَقًا وَبِدُونِ إجَازَةٍ بَلْ هُوَ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِنَصِّ السُّنَّةِ وَلِنُصُوصِ أَحْمَدَ الْمُتَكَاثِرَةِ وَأَمَّا مَنْ يَتَمَلَّكُ مَالَ غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ بِعِوَضٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيُجِيزُهُ لِمَالِكٍ فَهُوَ شَبِيهٌ بِتَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ الْمَحْضِ فَيُخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ‏.‏

وَمِنْ صُوَرِ ذَلِكَ مَا إذَا قَالَ عَبْدُ فُلَانٍ حُرٌّ فِي مَالِي فَأَجَازَهُ الْمَالِكُ فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ وَخَرَّجَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَجْهًا بِنُفُوذِهِ بِالْإِجَازَةِ وَيَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ‏.‏

‏(‏الْقِسْمُ الرَّابِعُ‏)‏ التَّصَرُّفُ لِلْغَيْرِ فِي الذِّمَّةِ دُونَ الْمَالِ بِغَيْرِ وِلَايَةٍ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ بِعَقْدِ نِكَاحٍ فَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ وَإِنْ كَانَ بِبَيْعٍ وَنَحْوِهِ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ فِي ذِمَّتِهِ فَطَرِيقَانِ‏:‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ أَنَّهُ غَيْرُ الْخِلَافِ أَيْضًا قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي مَوْضِعٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ الْجَزْمُ بِالصِّحَّةِ هَاهُنَا قَوْلًا وَاحِدًا ثُمَّ إِنْ أَجَازَهُ الْمُشْتَرِيَ لَهُ مَلَكُهُ وَإِلَّا لَزِمَ مَنْ اشْتَرَاهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَابْنُ عَقِيلٍ يَصِحُّ بِغَيْرِ خِلَافٍ لَكِنْ هَلْ يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ ابْتِدَاءً أَوْ بَعْدَ رَدِّ الْمُشْتَرِي لَهُ‏؟‏ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ هَلْ تَفْتَقِرُ الْحَالُ بَيْنَ أَنْ يُسَمَّى الْمُشْتَرَى لَهُ فِي الْعَقْدِ أَمْ لَا فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، مِنْهُمْ ابْنُ عَقِيلٍ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنْ سَمَّاهُ فِي الْعَقْدَ فَهُوَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى لَهُ بِعَيْنِ مَالِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ فِي غَالِبِ ظَنِّي وَابْنُ الْمُنَى ‏(‏كَذَا‏)‏ وَهُوَ مَفْهُومُ كَلَامِ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ‏.‏

‏(‏الْقِسْمُ الْخَامِسُ‏)‏ التَّصَرُّفُ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِإِذْنِهِ عَلَى وَجْهٍ تَحْصُلُ فِيهِ مُخَالَفَةُ الْإِذْنِ وَهُوَ نَوْعَانِ‏:‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ أَنْ تَحْصُلُ مُخَالَفَةُ الْإِذْنِ عَلَى وَجْهٍ يَرْضَى بِهِ عَادَةً بِأَنْ يَكُونَ التَّصَرُّفُ الْوَاقِعُ أَوْلَى بِالرِّضَا بِهِ مِنْ الْمَأْذُونِ فِيهِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِحُّ اعْتِبَارًا فِيهِ بِالْإِذْنِ الْعُرْفِيِّ‏.‏

‏(‏وَمِنْ صُوَرِ ذَلِكَ‏)‏ مَا لَوْ قَالَ بِعْهُ بِمِائَةٍ فَبَاعَهُ بِثَمَانِينَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ‏.‏

وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ اشْتَرِ لِي بِمِائَةٍ فَاشْتَرَى لَهُ بِثَمَانِينَ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ قَالَ لَهُ بِعْهُ بِمِائَةٍ نَسِيئَةً فَبَاعَهُ بِمِائَةٍ نَقْدًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ قَالَ بِعْهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَبَاعَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ عَلَى الصَّحِيحِ وَفِيهِ وَجْهٌ لَا يَصِحُّ لِمُخَالَفَتِهِ فِي جِنْسِ النَّقْدِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ قَالَ بِعْ هَذِهِ الشَّاة بِدِينَارٍ فَبَاعَهَا بِدِينَارٍ وَثَوْبٍ أَوْ ابْتَاعَ شَاةً وَثَوْبًا بِدِينَارٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ قَالَ الْقَاضِي هُوَ الْمَذْهَبُ ثُمَّ ذَكَرَ احْتِمَالًا أَنَّهُ يَبْطُلُ فِي الثَّوْبِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الشَّاةِ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ أَمَرَ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ شَاة بِدِينَارٍ فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ بِالدِّينَارَيْنِ تُسَاوِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِينَارًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ لِذَلِكَ فَإِنْ بَاعَ إحْدَاهُمَا بِدُونِ إذْنِهِ فَفِيهِ طَرِيقَانِ‏:‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ أَنَّهُ يُخَرَّجُ عَلَى التَّصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ وَجْهًا وَاحِدًا وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ لِخَبَرِ عُرْوَةَ بْنِ الْجَعْدِ وَلِأَنَّ مَا فَوْقَ الشَّاةِ الْمَأْمُورِ بِهَا لَمْ يَتَعَيَّنْ أَنَّهُ صَحِيحٌ فَصَارَ مَوْكُولًا إلَى نَظَرِهِ وَمَا يَرَاهُ‏.‏

‏(‏النَّوْعُ الثَّانِي‏)‏‏:‏ أَنْ يَقَعَ التَّصَرُّفُ مُخَالِفًا لِلْإِذْنِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَرْضَى بِهِ الْآذِنِ عَادَةً مِثْلُ مُخَالَفَةِ الْمُضَارِبِ وَالْوَكِيلِ فِي صَفْقَةِ الْعَقْدِ دُونَ أَصْلِهِ كَأَنْ يَبِيعَ الْمُضَارِبُ نَسْئًا عَلَى قَوْلِنَا بِمَنْعِهِ مِنْهُ أَوْ يَبِيعَ الْوَكِيلُ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ يَشْتَرِيَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ يَبِيعَ نَسْئًا أَوْ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ صَرَّحَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ بِاسْتِوَاءِ الْجَمِيعِ فِي الْحُكْمِ فَلِلْأَصْحَابِ هَاهُنَا طُرُقٌ أَحَدُهَا أَنَّهُ يَصِحُّ وَيَكُونُ الْمُتَصَرِّفُ ضَامِنًا لِلْمَالِكِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَمَنْ اتَّبَعَهُ فِي الْمُخَالَفَةِ فِي الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ هُنَا مُسْتَنَدُ أَصْلِهِ إلَى إذْنٍ صَحِيحٍ وَإِنَّمَا وَقَعَتْ الْمُخَالَفَةُ فِي بَعْضِ أَوْصَافِهِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ بِأَصْلِ الْإِذْنِ وَيَضْمَنُ الْمُخَالِفُ لِمُخَالَفَتِهِ فِي صِفَتِهِ وَعَلَى هَذَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَبِيعَ الْوَكِيلُ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ يَشْتَرِيَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ عَلَى الْمَنْصُوصِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَأَبْطَلَهُ فِي صُورَةِ الشِّرَاءِ كَصَاحِبِ الْمُغْنِي وَالسَّامِرِيِّ وَلَا فَرْقَ أَيْضًا بَيْنَ أَنْ يُقَدِّرَ لَهُ الثَّمَنَ أَوْ لَا عَلَى أَصَحِّ الطَّرِيقَيْنِ وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَأَبِي دَاوُد وَابْنِ مَنْصُورٍ‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ أَنَّهُ يَبْطُلُ الْعَقْدُ مَعَ مُخَالَفَتِهِ التَّسْمِيَةَ لِمُخَالَفَةِ صَرِيحِ الْإِذْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُسَمِّهِ فَإِنَّهُ إنَّمَا خَالَفَ دَلَالَةَ الْعُرْفِ، وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي فُصُولِهِ وَفَرَّقَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ بَيْنَ الْبَيْعِ نَسْئًا وَبِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ فَأَبْطَلَهُ فِيهِمَا بِخِلَافِ نَقْصِ الثَّمَنِ وَزِيَادَتِهِ وَفَرَّقُوا بِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِي النَّسَاءِ وَغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَد وَقَعَتْ فِي جَمِيعِ الْعَقْدِ وَفِي النَّقْصِ وَالزِّيَادَةِ وَفِي بَعْضِهِ، وَفِيهِ ضَعْفٌ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ‏.‏

وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَة‏:‏ أَنَّ فِي الْجَمِيعِ رِوَايَتَيْنِ‏:‏ إحْدَاهُمَا الصِّحَّةُ وَالضَّمَانُ وَالثَّانِيَة‏:‏ الْبُطْلَانُ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَصَحَّحَا رِوَايَةَ الْبُطْلَانِ وَتَأَوَّلَا رِوَايَةَ الضَّمَانِ عَلَى بُطْلَانِ الْعَقْدِ وَأَنَّ الْعَيْنَ تَعَذَّرَ رَدُّهَا فَيَأْخُذُ الْمَالِكُ الثَّمَنَ وَيَضْمَنُ الْمُشْتَرِي مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ السِّلْعَةِ مِنْ الثَّمَنِ‏.‏

وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا وَهُوَ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ كَلَامِ أَحْمَدَ وَحَاصِلُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَنَّ هَذِهِ الْمُخَالَفَةَ كَتَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ سَوَاءٌ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ فِي الْوَقْفِ هَاهُنَا عَنْ الْإِجَازَةِ دُونَ الْمُخَالَفَةِ لِأَصْلِ الْعَقْدِ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِعَيْنِ مَالِهِ مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي شِرَائِهِ فَإِنَّهُ صَرَّحَ فِي الْبُطْلَانِ هَاهُنَا وَجَعَلَهُ كَتَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ الْمَحْضِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَصَالِحٍ فِيمَنْ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ شَيْئًا فَخَالَفَهُ كَانَ ضَامِنًا فَإِنْ شَاءَ الَّذِي أَعْطَاهُ ضَمِنَهُ وَأَخَذَ مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ وَإِنْ شَاءَ أَجَازَ الْبَيْعَ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْمَالِ عَلَى حَدِيثِ عُرْوَةَ وَالْبَارِقِي وَهَذَا نَصٌّ لِلْوَقْفِ بِالْمُخَالَفَةِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْمُخَالِفَةِ بِالصِّفَةِ‏.‏

وَالطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ أَنَّ فِي الْبَيْعِ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ إذَا لَمْ يُقَدِّرْ لَهُ الثَّمَنَ وَلَا عَيَّنَ النَّقْدَ رِوَايَتَيْنِ‏:‏ الْبُطْلَانُ كَتَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ وَالصِّحَّةُ‏.‏

وَلَا يَضْمَنُ الْوَكِيلُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي الْبَيْعَ بِأَيِّ ثَمَنٍ كَانَ وَأَيّ نَقْدٍ كَانَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَاهِيَةِ الْكُلِّيَّةِ لَيْسَ أَمْرًا بِشَيْءٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِهَا وَالْبَيْعُ نَسْئًا كَالْبَيْعِ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ سَلَكَهَا الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنِ عَقِيلٍ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَهِيَ بَعِيدَةٌ جِدًّا لِمُخَالَفَتِهِ لِمَنْصُوصِ أَحْمَدَ وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمُخَالَفَةِ فِي الْمَهْرِ فَلَوْ أَذِنَتْ الْمَرْأَةُ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا بِمَهْرٍ سَمَّتْهُ فَزَوَّجَهَا بِدُونِهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَضْمَنُ الزِّيَادَةَ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَحَكَى الْأَصْحَابُ رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّهُ يَسْقُطُ الْمُسَمَّى وَيَلْزَمُ الزَّوْجَ مَهْرُ الْمِثْلِ وَكَذَا لَوْ لَمْ يُسَمَّ الْمَهْرُ فَإِنَّ الْإِطْلَاقَ يَنْصَرِفُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْأَبُ خَاصَّةً فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِي عَقْدِهِ سِوَى الْمُسَمَّى وَلَوْ لَمْ تَأْذَنْ فِيهِ أَوْ طَلَبَتْ تَمَامَ الْمَهْرِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا وَأَمَّا الْمُخَالَفَةُ فِي عِوَضِ الْخُلْعِ إذَا خَالَعَ وَكِيلُ الزَّوْجَةِ بِأَكْثَر مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ وَكِيلُ الزَّوْجِ بِدُونِهِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ‏:‏ الْبُطْلَانُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي، وَالصِّحَّةُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَمَنْصُوصُ أَحْمَدَ، وَالْبُطْلَانُ بِمُخَالَفَتِهِ وَكِيلَهُ وَالصِّحَّةُ بِمُخَالَفَتِهِ وَكِيلَهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ وَمَعَ الصِّحَّةِ يَضْمَنُ الْوَكِيلُ الزِّيَادَةَ وَالنَّقْصَ وَهَذَا الْخِلَافُ مِنْ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَهُ مَعَ تَقْدِيرِ الْمَهْرِ وَتَرْكِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّهُ بِمَا إذَا وَقَعَ التَّقْدِيرُ، فَأَمَّا مَعَ الْإِطْلَاقِ فَيَصِحُّ الْخُلْعُ وَجْهًا وَاحِدًا وَفِيهِ وَجْهَانِ آخَرَانِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي‏:‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ يَبْطُلُ الْمُسَمَّى وَيَرْجِعُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ يُخَيَّرُ الزَّوْجُ بَيْنَ قَبُولِ الْعِوَضِ نَاقِصًا وَلَا شَيْءٌ لَهُ غَيْرُهُ وَيَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْ الرَّجْعَةِ وَبَيْنَ رَدِّهِ عَلَى الْمَرْأَةِ وَيَثْبُتُ لَهُ الرَّجْعَةُ وَفِي مُخَالَفَتِهِ وَكِيلَ الزَّوْجَةِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهَا أَكْثَر الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْمُسَمَّى وَمَهْرِ الْمِثْلِ‏.‏

ذَكَرَهُ ابْنُ الْبَنَّا‏.‏

‏(‏الْقِسْمُ السَّادِس‏)‏ التَّصَرُّفُ لِلْغَيْرِ بِمَالِ الْمُتَصَرِّفِ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِعَيْنِ مَالِهِ سِلْعَةً لِزَيْدٍ فَفِي الْمُجَرَّدِ يَقَعُ بَاطِلًا رِوَايَةً وَاحِدَةً وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ خَرَّجَهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ وَهُوَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقِفُ عَلَى الْإِجَازَةِ وَيُعْتَبَرُ الثَّمَنُ مِنْ مَالِهِ يَكُونُ إقْرَاضًا لِلْمُشْتَرِي لَهُ أَوْ هِبَةً لَهُ فَهُوَ كَمَنْ وَجَبَ لِغَيْرِهِ عَقْدٌ فِي مَالِهِ فَقَبِلَهُ الْآخَرُ بَعْدَ الْمَجْلِسِ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى صِحَّةِ مِثْلِ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَالصَّحِيحُ فِي تَوْجِيهِهَا أَنَّهَا مِنْ بَابِ وَقْفِ الْعُقُودِ عَلَى الْإِجَازَةِ وَهُوَ مَأْخَذُ ابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ عَقْدٍ وَعَقْدٍ فَكُلُّ مَنْ أَوْجَبَ عَقْدَ الْغَائِبِ عَنْ الْمَجْلِسِ فَبَلَغَهُ فَقَبِلَهُ فَقَدْ أَجَازَهُ وَأَمْضَاهُ وَيَصِحُّ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَيَرَى أَبُو بَكْرٍ رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَاخْتَارَهَا‏.‏

‏[‏الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ‏:‏‏]‏ الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ‏:‏ الصَّفْقَةُ الْوَاحِدَةُ هَلْ تَتَفَرَّقُ فَيَصِحُّ بَعْضُهَا دُونَ بَعْضٍ أَمْ لَا فَإِذَا بَطَلَ بَعْضُهَا بَطَلَ كُلُّهَا‏؟‏

فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا أَنَّهَا تَتَفَرَّقُ وَلِلْمَسْأَلَةِ صُوَرٌ‏:‏

أَحَدُهَا‏:‏ أَنَّهُ يَجْمَعُ الْعَقْدَيْنِ مَا يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَيْهِ وَمَا لَا يَجُوزُ بِالْكُلِّيَّةِ إمَّا مُطْلَقًا أَوْ فِي تِلْكَ الْحَالِ فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ فِيمَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْعَقْدُ بِانْفِرَادِهِ وَهَلْ يَبْطُلُ فِي الْبَاقِي‏؟‏ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ‏.‏

وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ وَغَيْرِهَا كَالرَّهْنِ وَالْهِبَةِ وَالْوَقْفِ وَلَا بَيْنَ مَا يَبْطُلُ بِجَهَالَةِ عِوَضِهِ كَالْمَبِيعِ وَمَا لَا يَبْطُلُ كَالنِّكَاحِ فَإِنْ النِّكَاحَ فِيهِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ غَيْرَ أَنَّ صَاحِبَ الْمُغْنِي اخْتَارَ أَنَّ الْبَيْعَ إذَا كَانَ الثَّمَنُ مُنْقَسِمًا عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ كَعَبْدَيْنِ أَحَدُهُمَا مَغْصُوبٌ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ فِيهِمَا تَعْلِيلًا بِجَهَالَةِ الْعِوَضِ بِخِلَافِ مَا يُقْسَمُ الثَّمَنُ عَلَيْهِ بِالْأَجْزَاءِ كَقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ وَاحِدَةٍ وَهَذَا مَأْخَذُ الْبُطْلَانِ وَرَاءَ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ كَمَا لَوْ قَالُوا فِيمَا إذَا بَاعَ مَعْلُومًا وَمَجْهُولًا‏:‏ إنَّهُ لَا يَصِحُّ رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ فَهَذَا هُوَ الْمَانِعُ هُنَا مِنْ تَفْرِيقِهِمَا وَفِي التَّلْخِيصِ أَنَّ لِلْبُطْلَانِ فِي الْكُلِّ مَأْخَذَيْنِ‏:‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ كَوْنُ الصِّفَةِ لَا تَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ وَالِانْقِسَامَ‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ جَهَالَةُ الْعِوَضِ قَالَ‏:‏ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَطَّرِدُ الْخِلَافُ فِي كُلِّ الْعُقُودِ وَعَلَى الثَّانِي لَا يَطَّرِدُ فِيمَا لَا عِوَضَ فِيهِ أَوْ لَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ عِوَضِهِ كَالنِّكَاحِ، قَالَ عَلَى الْأَوَّلِ لَوْ قَالَ يُقْبَلُ كُلُّ وَاحِدٍ بِكَذَا لَمْ يَصِحَّ وَيَصِحُّ عَلَى الثَّانِي انْتَهَى ثُمَّ إنَّهُ حَكَى فِي تَعَدُّدِ الصَّفْقَةِ تَفْصِيلَ الثَّمَنِ وَجْهَيْنِ وَصَحَّحَ بِعَدَدِهَا فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ فِي قَوْلِهِ‏:‏ يُقْبَلُ كُلُّ وَاحِدٍ بِكَذَا عَلَى الْمَأْخَذَيْنِ ثُمَّ أَنَّهُ اخْتَارَ أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ إنْ عَلِمَا أَنَّ بَعْضَ الصَّفْقَةِ غَيْرُ قَابِلٍ لِلْبَيْعِ لَمْ يَصِحَّ رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى جَهَالَةِ الثَّمَنِ وَإِنْ جَهِلَا ذَلِكَ فَهُوَ مَحَلُّ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْجَهْلَ بِمِثْلِ ذَلِكَ تَأْثِيرٌ فِي الصِّحَّةِ كَمَا لَوْ شَرَى الْمَبِيعَ الَّذِي لَا يَسْقُطُ أَرْشُهُ بَعْدَ الْعِتْقِ وَهَذَا ضَعِيفٌ فَإِنَّ الْبَائِعَ عَلِمَ بِالْعَيْبِ فِي الْعَقْدِ وَلَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ وَكَذَا فِي بَيْعِ النَّجْشِ وَاخْتَارَ الْبَائِعُ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثَّمَنِ عَمْدًا فَإِنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَيَسْقُطُ بَعْضُ الثَّمَنِ وَهَاهُنَا طَرِيقَةٌ ثَانِيَةٌ لِدَفْعِ جَهَالَةِ الثَّمَنِ وَهِيَ تَقْسِيطُهُ عَلَى عَدَدِ الْمَبِيعِ لَا عَلَى الْقِيَمِ‏.‏

ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَجْهًا فِي بَابِ الشَّرِكَةِ وَالْكِتَابَةِ مِنْ الْمُجَرَّدِ وَالْفُصُولِ فِيمَا إذَا بَاعَ عَبْدَيْنِ أَحَدُهُمَا لَهُ وَالْآخَرُ لِغَيْرِهِ أَنَّ الثَّمَنَ يَتَقَسَّطُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ فِي عَقْدٍ وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا وَلَا أَظُنُّ يَطَّرِدُ إلَّا فِيمَا إذَا كَانَ جِنْسًا وَاحِدًا‏.‏

وَذَكَرَ فِي بَابِ الضَّمَانِ مِنْ كِتَابَيْهِمَا طَرِيقَةً ثَالِثَةً وَهِيَ أَنَّهُ يُمْسِكُ وَيَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَيْهِ بِكُلِّ الثَّمَنِ أَوْ يَرُدُّهُ وَهَذَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَخُصَّ هَذَا بِمَنْ كَانَ عَالِمًا بِالْحَالِ، وَأَنَّ بَعْضَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ قَدْ دَخَلَ عَلَى بَذْلِ الثَّمَنِ فِي مُقَابَلَةِ مَا يَصِحُّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ خَاصَّةً كَمَا نَقُولُ فِيمَنْ أَوْصَى لِحَيٍّ وَمَيِّتٍ يَعْلَمُ مَوْتَهُ بِشَيْءٍ أَنَّ الْوَصِيَّةَ كُلَّهَا لِلْحَيِّ‏.‏

وَلِبَعْضِهِمْ طَرِيقَةٌ أُخْرَى فِي الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ إنْ كَانَ مِمَّا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْعَقْدُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلْمُعَاوَضَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، كَالطَّرِيقِ بَطَلَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلتَّحَوُّلِ بِالْكُلِّيَّةِ وَقِيَاسُهُ الْخَمْرُ وَإِنْ كَانَ قَابِلًا لِلصِّحَّةِ فَفِيهِ الْخِلَافُ‏.‏

ذَكَرَهُ الْأَزَجِيُّ وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ فِي الْمَذْهَبِ‏.‏

وَعَلَى الْقَوْلِ بِالتَّفْرِيقِ فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ وَلَهُ أَيْضًا الْأَرْشُ إذَا أَمْسَكَ بِالْقِسْطِ فِيمَا يَنْقُصُ بِالتَّفْرِيقِ كَالْعَبْدِ الْوَاحِدِ وَالثَّوْبِ الْوَاحِدِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي فِي الضَّمَانِ‏.‏

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ‏:‏ أَنْ يَكُونَ التَّحْرِيمُ فِي بَعْضِ أَفْرَادِ الصَّفْقَةِ نَاشِئًا مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ فَهَاهُنَا حَالَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ يَمْتَازَ بَعْضُ الْأَفْرَادِ بِمَزِيَّةٍ فَهَلْ يَصِحُّ الْعَقْدُ بِخُصُوصِهِ أَمْ يَبْطُلُ فِي الْكُلِّ‏؟‏ فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَظْهَرُ صِحَّةُ الْمَزِيَّةِ‏.‏

‏(‏فَمِنْ أَمْثِلَةِ صُوَرِ ذَلِكَ‏)‏ مَا إذَا اجْتَمَعَ عَقْدُ نِكَاحٍ بَيْنَ أُمٍّ وَبِنْتٍ فَهَلْ يَبْطُلُ فِيهِمَا أَوْ يَصِحُّ فِي الْبِنْتِ لِصِحَّةِ وُرُودِ عَقْدِهَا عَلَى عَقْدِ الْأُمِّ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ‏؟‏ عَلَى وَجْهَيْنِ‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ لَوْ جَمَعَ حُرٌّ وَاجِدٌ لِلطَّوْلِ أَوْ غَيْرُ خَائِفٍ لِلْعَنَتِ بَيْنَ حُرَّةٍ وَأَمَةٍ فِي عَقْدٍ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ‏:‏ إحْدَاهُمَا يَبْطُلُ النِّكَاحَانِ مَعًا‏.‏

الثَّانِيَةُ‏:‏ يَصِحُّ نِكَاحُ الْحُرَّةِ وَحْدَهَا‏.‏

وَهِيَ أَصَحُّ لِأَنَّهَا تَمْتَازُ بِصِحَّةِ وُرُودِ نِكَاحِهَا عَلَى نِكَاحِ الْأَمَةِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ فَهِيَ كَالْبِنْتِ مَعَ الْأُمِّ وَأَوْلَى لِجَوَازِ دَوَامِ نِكَاحِ الْأَمَةِ مَعَهَا عَلَى الصَّحِيحِ أَيْضًا‏.‏

‏(‏وَمِنْهَا‏)‏ أَنْ يَتَزَوَّجَ حُرٌّ خَائِفٌ لِلْعَنَتِ غَيْرُ وَاجِدٍ لِلطَّوْلِ حُرَّةً تُعِفُّهُ بِإِفْرَادِهَا وَأَمَةً فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ وَفِيهِ وَجْهَانِ‏:‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ يَصِحُّ نِكَاحُ الْحُرَّةِ وَحْدَهَا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ؛ لِأَنَّ الْحُرَّةَ تَمْتَازُ عَلَى الْأَمَةِ بِصِحَّةِ وُرُودِ نِكَاحِهَا عَلَيْهَا فَاخْتَصَّتْ بِالصِّحَّةِ‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ يَصِحُّ نِكَاحُهُمَا مَعًا قَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا؛ لِأَنَّ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ قَبُولَ نِكَاحِ كُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ فَيَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ أَمَةٍ ثُمَّ حُرَّةٍ‏.‏

وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ قُدْرَتَهُ عَلَى نِكَاحِ الْحُرَّةِ تَمْنَعُهُ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ بِمُقَارَنَةِ نِكَاحِ الْحُرَّةِ أَوْلَى بِالْمَنْعِ‏.‏

أَمَّا إذَا كَانَ الْمُتَزَوِّجُ عَبْدًا وَقُلْنَا بِمَنْعِهِ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ الَّتِي تُعِفُّهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ‏:‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ أَنَّهُ كَالْحُرِّ سَوَاءٌ قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ‏.‏

وَالثَّانِي‏:‏ يَصِحُّ جَمْعُهُ بَيْنَهُمَا فِي عَقْدٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ وَ ‏[‏‏.‏‏]‏ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا تَمْنَعُهُ الْقُدْرَةُ عَلَى نِكَاحِ الْحُرَّةِ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ ‏[‏‏.‏‏]‏ مُقَارَنَةِ نِكَاحِهِمَا وَإِنَّمَا يُمْنَعُ بِسَبْقِ نِكَاحِ الْحُرَّةِ‏.‏

الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ‏:‏ أَنَّهُ لَا يَمْتَازُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ بِمَوْتِهِ فَالْمَشْهُورُ الْبُطْلَانُ فِي الْكُلِّ إذْ لَيْسَ بَعْضُهَا أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي الصِّحَّةِ مِثْلُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ فِي عَقْدٍ أَوْ خَمْسًا فِي عَقْدٍ فَالْمَذْهَبُ الْبُطْلَانُ فِي الْكُلِّ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَأَبِي الْحَارِثِ وَنَقَلَ عَنْهُ ابْنُ مَنْصُورٍ إذَا تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ فِي عَقْدٍ يَخْتَارُ إحْدَاهُمَا وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّهُ يَخْتَارُهَا بِعَقْدٍ مُسْتَأْنَفٍ وَهُوَ بَعِيدٌ‏.‏

وَخَرَّجَ الْقَاضِي فِيمَا إذَا زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ مِنْ رَجُلَيْنِ وَقَعَا مَعًا أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ أُقْرِعَ لَهُ فَهِيَ زَوْجَتُهُ وَيُخَرَّجُ هُنَا أَمْثِلَةٌ‏.‏

الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ‏:‏ أَنْ يَجْمَعَا فِي صَفْقَةٍ شَيْئَيْنِ يَصِحُّ الْعَقْدُ فِيهِمَا أَمْ يَبْطُلُ الْعَقْدُ فِي أَحَدِهِمَا قَبْلَ اسْتِقْرَارِهِ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْبُطْلَانِ دُونَ الْآخَرِ‏.‏

قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ وَقَعَ هُنَا دَوَامًا لَا ابْتِدَاءً وَالدَّوَامُ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ وَمَعَ هَذَا فَقَدْ حَكَمُوا فِيمَا إذَا تَفَرَّقَ الْمُتَصَارِفَانِ عَنْ قَبْضِ بَعْضِ الصَّرْفِ أَنَّهُ يَبْطُلُ الْعَقْدُ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ وَفِي الْبَاقِي رِوَايَتَانِ‏.‏

تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ وَهَذَا تَفْرِيقٌ فِي الدَّوَامِ إلَّا أَنْ يُقَالَ‏:‏ الْقَبْضُ فِي الصَّرْفِ شَرْطٌ لِانْعِقَادِ الْعَقْدِ لَا لِدَوَامِهِ وَأَنَّ الْعَقْدَ مُرَاعًى بِوُجُودِهِ‏.‏

صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ فَيَكُونُ التَّفْرِيقُ حِينَئِذٍ فِي الِابْتِدَاءِ غَيْرَ أَنَّ الْقَاضِيَ حَكَى الْخِلَافَ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي السَّلَمِ وَالصَّرْفِ، تَصْرِيحُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ لِلدَّوَامِ دُونَ الِانْعِقَادِ وَهَذَا يَقْتَضِي وَلَا بُدَّ تَخْرِيجَ الْخِلَافِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ دَوَامًا قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْعَقْدِ‏.‏

وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الشَّامِيُّ أَنَّ مَالَ الزَّكَاةِ إذَا بِيعَ ثُمَّ أَعْسَرَ الْبَائِعُ بِالزَّكَاةِ فَلِلسَّاعِي الْفَسْخُ فِي قَدْرِهَا فَإِذَا فَسَخَ فِي قَدْرِهَا فَهَلْ يَنْفَسِخُ الْبَاقِي‏؟‏ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِإِجْرَاءِ الْخِلَافِ فِي التَّفْرِيقِ فِي الدَّوَامِ فَإِنْ انْفَسَخَ هُنَا بِسَبَبٍ سَابِقٍ عَلَى الْعَقْدِ فَلَا يَسْتَقِرُّ الْعَقْدُ مَعَهُ فَهَذَا فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ فَأَمَّا فِي النِّكَاحِ فَإِنْ طَرَأَ مَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ إحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ بِعَيْنِهَا كَرِدَّةٍ وَرَضَاعٍ وَاخْتَصَّتْ بِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ وَحْدَهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ وَإِنْ طَرَأَ مَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدَيْهِمَا مَزِيَّةٌ بِأَنْ صَارَتَا أُمًّا وَبِنْتًا بِالِارْتِضَاعِ فَرِوَايَتَانِ أَصَحُّهُمَا يَخْتَصُّ الِانْفِسَاخُ بِالْأُمِّ وَحْدَهَا إذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهِمَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِدَامَةَ أَقْوَى مِنْ الِابْتِدَاءِ فَهُوَ كَمَنْ أَسْلَمَ عَلَى أُمٍّ وَبِنْتٍ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهِمَا فَإِنَّهُ يَثْبُتُ نِكَاحُ الْبِنْتِ دُونَ الْأُمِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ‏.‏

‏[‏خَاتِمَةٌ‏]‏

وُجِدَ فِي آخِرِ النُّسْخَةِ مَا نَصُّهُ‏:‏ الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا بِلَا انْتِهَاءٍ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ تَسْلِيمًا كَثِيرًا دَائِمًا إلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ‏.‏

تَمَّتْ الْقَوَاعِدُ بِتَجْدِيدِ مَالِكِهَا الْفَقِيرِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ سَيْفِ الْحَنْبَلِيِّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَمَشَايِخِهِ فِي الدِّينِ آمِينَ‏.‏